منتدى الشهيد العظيم مارجرجس
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتدى الشهيد العظيم مارجرجس


 
البوابةالرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:38 pm

الأصحاح الثامن عشر
الطريق الملوكي
يقدّم لنا السيِّد المسيح التواضع الحيّ المملوء حبًا وترفُّقًا بكونه أهم ملامح طريق ملكوت السماوات.
1. الملكوت وتواضع الطفولة 1-5.
2. المحبّة وعثرة الصغار 6-14.
3. المحبّة والعِتاب 15-20.
4. المحبّة الغافرة 21-22.
5. مثل الملك المترفِّق والعبد الشرّير 23-35.
1. الملكوت وتواضع الطفولة
"في تلك الساعة تقدّم التلاميذ إلى يسوع، قائلين:
فمن هو أعظم في ملكوت السماوات؟
فدعا يسوع إليه ولدًا وأقامه في وسطهم، وقال:
الحق أقول لكم، إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد
فلن تدخلوا ملكوت السماوات" [1-4].
أحاديث السيِّد المسيح وتصرُّفاته قد ألهَبت قلوب التلاميذ نحو التمتّع بملكوت السماوات، لكنهم لم يكونوا بعد قادرين على التخلُّص من الفكر المادي الذي تثقَّفوا به وورثوه أبًا عن جِدْ، فظنّوه ملكوتًا زمنيًا وسلطانًا أرضيًا، لذا اشتهى كل منهم أن ينعم بنصيبٍ فيه، وأن يحْتل مركزًا أعظم ممّا لغيره. هذا الاشتياق وإن كان وليد الضعف البشري، أي حب العظمة وشهرة المراكز المرموقة، لكن الكل يودّ أن يملأ هذا الفراغ بفكرٍ بشريٍ باطلٍ! يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [ما قام بين التلاميذ وسُجل إنّما هو لنفعنا، حتى أن ما حدث بين التلاميذ القدّيسين يكون علّة تواضعنا، فقد انتهر الرب المرض كطبيبٍ حاذقٍ، قاطعًا الألم الذي ينبع فينا بوصيّته المتّقدة التي تبلغ الأعماق.]
كان عجيبًا لديهم أن يروا السيِّد يستدعي ولدًا ليُقيمه في وسطهم كمثَلٍ حيٍّ للتمتّع بدخول الملكوت، فقد احتقر الرومان الطفولة، ولم يكن للطفل أي حق من الحقوق، يستطيع الوالدان أن يفعلا بطفلهما ما يشاءا بلا رقيب! وتعرّضت الطفولة لدى اليونان لمتاعب كثيرة، أمّا اليهود فلم يحصروا الأطفال والنساء عند إحصاء الشعب (عد 1-2). لكن السيِّد وهو يرتفع بالبشريّة إلى الحياة الناضجة يقدّم طفلاً كمثل للحياة الناضجة الروحيّة القادرة أن تقتحم الملكوت، وكأنه ينقلهم من نضوج الجسد المتَّكئ على السنوات التي عاشها الإنسان إلى نضوج النفس الداخليّة التي لا ترتبط بزمنٍ معينٍ.
يؤكّد السيِّد لطالبي الملكوت التزامهم بالرجوع ليصيروا مثل الأولاد، فيدخلوا ملكوت الموات. إنه ليس تراجعًا إلى الوراء، لكنّه نمو نحو الطفولة المتواضعة البسيطة. فالإنسان خلال خبراته على الأرض تنتفخ ذاته جدًا، ولا يستطيع الدخول من الباب الضيق. لهذا يليق به أن يتخلّى عن كل كبرياء لكي تصغر ذاته جدًا وتُصلب تمامًا، فيعبر خلال سيّده المصلوب من باب التواضع، الذي هو الباب الملوكي والمدخل الوحيد للملكوت السماوي.
بدون التواضع يبقى الإنسان خارجًا، مهما قدّم من عبادة ونسكيّات لا يمكنه الدخول، فإنه لا يمكن لقلب متكبّر أن ينعم بالاتّحاد مع ابن الله المتواضع ليعبّر به وفيه إلى حضن أبيه، لهذا يكمّل السيِّد: "فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الأعظم في ملكوت السماوات" [4].إن كان الكبرياء قد طرد الإنسان من الفردوس، فلا دخول إليه بغير طريق التواضع.
يحدّثنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم عن دور التواضع في تمتّعنا بالحياة الملكوتيّة في هذا العالم وفي الحياة الأخرى، إذ يقول: [لكي ننعم بالراحة هنا وفي الحياة العتيدة يلزمنا أن نجاهد في غرس أُم كل الصالحات أي التواضع في نفوسنا. بهذا نستطيع أن نعبر بحر هذه الحياة بلا أمواج، وننهي رحلتنا إلى ذلك الميناء الهادئ.] كما يقول: [ليس شيء مقبولاً لدى الله مثل أن يحسب الإنسان نفسه آخر الكل، هذا هو المبدأ الأول للحكمة العمليّة، فإن المتواضع والمجروح في قلبه لا يحب المجد الباطل، ولا هو بغضوب، ولا يحسد قريبه، ولا يلجأ إلى أية شهوة.] ويقول القدّيس باسيليوس الكبير: [إننا نقبل ملكوت الله مثل ولد" (لو 18: 17) إن كنّا نتطلّع إلى تعليم ربّنا كطفل تحت التدريب لا يُعارض معلّميه ولا ينازعهم، وإنما بثقة يتقبّل التعليم في ذهنه وبرغبة في التعلُّم.]
يقول القدّيس أمبروسيوس: [لا يقصد هنا تفضيل سنٍ على آخر، وإلا صار النمو عملاً هدّامًا. وكنت لا اشتهي البلوغ إلى سن النضوج مادام يسلبني تعبي في ملكوت السماوات، ولما سمح الله بالنمو الذي ينمِّي الرذيلة لا الفضيلة، ولما اختار الرب تلاميذه من الرجال الناضجين، إنما كان يختارهم من الأطفال... فالرب لا يُشير بالطفولة إلى سنٍ، بل إلى المحبّة التي تحمل بساطة الطفولة. الفضيلة ليست عجزًا عن إتمام الخطيّة لكنها رفض لها، ومثابرة للعودة إلى طبيعتنا الأولى وطفولتنا.] كما يقول: [إن كان الأطفال سرعان ما يتشاجرون معًا، لكنهم أيضًا سرعان ما يعودون ليجتمعوا معًا بصداقة عظيمة، إذ هم لا يعرفون السلوك بمكر وخداع.]
ويقول القدّيس كيرلّس الكبير: [ليكن سموِّنا في تواضعنا، ومجدنا في عدم محبّتنا للمجد، وليكن اشتياقنا منصبًّا فيما يُسِر الله، واضعين في ذهننا ما يقوله لنا الحكيم: "إذ تصيرون عظماء تتّضعون بالأكثر فتجدون نعمة لدى الرب" (ابن سيراخ 3: 18). فإن الله يحتقر المتعجرفين ويحسب المتكبّرين كأعداء له، لكنّه يكلِّل الودعاء ومتواضعي الذهن بالكرامات.]
الطفولة في المسيح
إن كان السيِّد يشتاق أن ينعم تلاميذه بالرجوع إلى الطفولة، فيحملون روح التواضع بكونه السمة الملوكيّة التي تسند النفس في عبورها إلى الحياة السماويّة، فإن السيِّد وهو يتحدّث عن الأطفال يقدّم الطفولة كحاملة لاسمه، إذ يقول: "ومن قبِلَ ولدًا واحدًا مثل هذا باسمي فقد قبلني" [5].
لئلا يستنكف أحد من أن يرجع إلى تواضع الطفولة، يتجلّى السيِّد في حياة الأطفال، فيحسب من يقبلهم باسمه إنّما يقبله هو. هكذا يرفع السيِّد من الطفولة التي احتقرَتها البشريّة بكل أجناسها وألسنتها. فإن كان السيِّد قد كرّم الإنسان خلال تأنُّسِهِ، وكرَّم الفقراء حاسبًا إيّاهم إخوته الأصاغر، ما يُفعل بهم إنّما يقدَّم لحسابه، هنا يُكرم الطفولة، من يقبلها باسمه إنّما يقبَله هو. تُرى من لا يشتهي أن يحمل طبيعة "الطفولة المتواضعة" الحاملة لاسم المسيّا الملك؟! حقًا لقد قدَّس السيِّد الطفولة إذ صار طفلاً، ولا يزال يقدّسها إذ يجعل اسمه محمولاً على أطفاله الصغار؟!
يقول القدّيس أمبروسيوس: [من هو هذا الطفل الذي يليق بتلاميذ المسيح أن يتمثلوا به إلا الذي قال عنه إشعياء: "يُولد لنا ولد ونعطَى ابنًا..." (إش 9: 6)، هذا الذي قال: "اِحمل صليبك واتبعني" (مت 16: 24). هذا الذي تميّز بأنه "إذ شُتم لم يكن يُشتم عوضًا، وإذ تألّم لم يكن يهدّد" (1 بط 2: 23). هنا الفضيلة الكاملة في الطفولة حيث تحمل الأمور القديمة المكرّمة، كما تحمل الشيخوخة براءة الطفولة".]
2. المحبّة وعثرة الأطفال
"ومن أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي،
فخيرٌ له أن يُعلَّق في عُنقه حجر الرَحَى،
ويغرق في لُجّة البحر" [6].
المؤمن إمّا أن يتقبّل الدخول إلى "الطفولة" المتواضعة والبسيطة فيدخل باب الملكوت السماوي أو يقف عثرة عند الباب لا يدخل ولا يترك حتى الأطفال المؤمنين أن يدخلوا. ليس هناك طريق وسط في الحياة مع الله، إمّا أن يعبر نحو الأبديّات أو يعوق الآخرين عن العبور. أمّا سِرّ العثرة فيكمن في أمرين:
أولا: تحجُّر القلب؛ إذ لا يعرف حب الله أو الناس، فلا يقدر أن يغفر لمن يسيء إليه ولا أن يعاتبه، لذا خيرٌ له أن يُربط في عنقه حجر رحَى، من أن يحمل هذه الطبيعة المتحجّرة والعنُق القاسي الغليظ!
ثانيًا: الانغماس في الأمور الأرضيّة، فلا يرى سوى الزمنيّات، لهذا خيرٌ له أن يُلقي في لُجّة البحر ولا يلقى بقلبه في بحار هموم هذه الحياة وملذّاتها.
كأن السيِّد المسيح بقوله: "خيرٌ له أن يُعلّق في عُنقه حجر الرحَى، ويغرق في لُجّة البحر" لا يقدّم إدانة أو حكمًا ضدّ النفس التي تُعثر الآخرين، ولا يودّ هلاكها، إنّما يودّ أن يُعلن حقيقة موقفها، وما بلغت إليه داخليًا خلال هذا التشبيه. فقد تحجَّرت وغرقت في بحر محبّة العالم، الأمر الذي يحمل خطورة أكثر من الغرق الجسدي في البحر خلال ربط الإنسان بحجر في عُنقه.
يبدو أن اليهود قديمًا كانوا يعاقبون مرتكبي الجرائم الكبرى بربط عنقهم في حجر وإلقائهم في أعماق المياه.
يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العقوبة بقوله: [بهذه العقوبة التي يستحقَِّها الإنسان الذي يُعثِر غيره، نتعلّم المكافأة لمن يُنقذ الآخرين. فلو لم يكن خلاص نفس واحدة عظيم جدًا لدى المسيح ما كان يهدّد بعقوبة كهذه لمن يُعثِر إنسانًا".]
أما طريق الأمان ضدّ العثرة فهو كلمة الله أو شريعته كقول المرتّل: "سلامة جزيلة لمُحبّي شريعتك وليس لهم عثرة" (مز 119: 165) وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [عندما سمعتم: "الويل للعالم من العثرات" فكَّرتم كيف تتجاوزن العالم حتى لا تتعرّضوا للعثرات. إذن لنتجنّب العثرات. كيف نتجاوز العالم إلا بهروبنا إلى صانع العالم؟ وكيف ننطلق إلى صانع العالم ما لم نُصغ إلى شريعته التي يكرز بها في كل موضع؟! فإن الإصغاء إليها أمر بسيط أن أحببناها. لأن الكتاب المقدّس وهو يحصِّنك من العثرات لم يقل: "سلامة جزيلة لسامعي شريعتك" وإنما "لمُحبِّي شريعتك....] ويقدّم لنا القدّيس أغسطينوس مثالاً عمليًا هو امرأة أيوب التي كانت عثْرة، فجاءت تسحب قلب زوجها للتجديف، لكن كان قلبه محبًا لشريعة الله وليس له عثرة؛ كانت هي معثَرة، لكن ليس له.
"ويل للعالم من العثرات،
فلابد أن تأتي العثرات،
ولكن ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة" [7].
إن كان السيِّد قد فتح لنا الطريق الملوكي مشتاقًا أن تدخل فيه كل البشريّة المحرومة منه، فإن عدوّ الخير لا يكف عن أن يعمل أيضًا لحساب مملكته، فإنه حيث يوجد السيِّد المسيح عاملاً فينا يُصارع إبليس لحساب ظلمته خلال العثرات. يجنِّد من له لتحطيم النفوس البسيطة، الأمر الذي يحذّرنا منه السيِّد، لا لئلا يُعثرنا الآخرون فقط، وإنما لئلا نتحوّل نحن أيضًا معهم إلى عثرة للآخرين. لكنّنا إذ نحمل فينا مسيحنا غالب العالم وننعم بوصيّته لا نخاف العثْرة. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [عندما تسمع "ويل للعالم من العثرات" لا تخف، وإنما حب شريعة الله، فلا تكون لك عثرة.]
"فإن أعثَرتك يدك أو رِجلك فاقطعها واِلقها عنك.
خيرٌ لك أن تدخل الحياة أعرج أو أقطع
من أن تلقي في النار الأبديّة ولك يدان أو رجلان.
وإن أعثَرتك عيْنك فاِقلعها واِلقها عنك.
خيرٌ لك أن تدخل الحياة أعوَر من أن تُلقى في جهنّم النار ولك عيْنان" [8-9].
هل يمكن للمؤمن أن يَبتُر كل عضو في جسده يُعثِرة أو يُعثِر الآخرين؟ في تاريخ الكنيسة قصص فريدة لأُناس صنعوا هذا، مثل سمعان الخرَّاز والفتاة الطاهرة التي ضربَت بالمِخْراز عينها لتُقدّمها لإنسان بذل كل الجهد لملاقاتها من أجل عينيها الجميلتين. في رأي الآباء أن كلمات السيِّد هنا تحمل معنى رمزيًا روحيًا، فاليد ليست إلا الإنسان الذي يسندني ويعمل لحسابي، إن تحوّل هذا إلى معثَرة لي يفقدني إيماني أو طهارتي أقطعه لاَغتصب السماوات بدونه بالرغم من شوقي إلى خلاصه. لقد مدّ يوسف العنيف يديه بكل قوّة وشجاعة ليبتُرهما حينما ترك الثوب في يديّ سيدته وهرب. لقد فضّل أن يَقطع علاقته بمن تُقدِّم له لُقمة العيش مفضِّلاً أن يُذّل داخل أسوار السجن كمن هو بلا يدين، محرومًا من حرّية الجسد من أجل تمتُّعه بالحياة الطاهرة الفردوسيّة. لم تكن لُقمة العيش قادرة أن تحبس يوسف في العثْرة، مفضِّلا أن يدخل الحياة أقطع من أن يُلقى في نار الشهوة المهلِكة وله يدان! والعجيب أن الله لم يترك يوسف بلا يدين، بل صار هو نفسه يديه أينما حلّ يتبارك العمل، سواء داخل أسوار السجن أو في قصر فرعون. فإن كنّا بالروح القدس الناري نعرف كيف نقدّم أيدينا المُعثِرة لصليب ربّنا يسوع المسيح فتُبتَر، لا نبقى بلا يدين وإنما يصير السيِّد المسيح نفسه يدينا العاملتين معنا وبنا وفينا، وفي كل عمل نعمله يتقدّمنا السيِّد نفسه فيحل ببركته فينا، بل أقول نختفي نحن فيه ليكون هو العامل! إن كل بَتْر لمصدر العثْرة بحكمة الروح القدس ليس خسارة بل هو ربح، فيه أَخْذ لا عطاء!
ما أقوله عن اليدين أكرّره بخصوص الرجلين، فإن كان أحد يمثّل الرجلين بدونهما نصير كمن هو أعرج غير قادر على الحركة. فإن أعثرتنا هاتان الرجلان نقدّمهما بالروح القدس لصليب ربّنا يسوع المسيح لبترِهما، ونلبس السيِّد نفسه ذي القدمين النحاسيّتين، بهما ندُكْ كل عثْرة في الطريق، حتى نعبُر إلى حِضن أبيه ونحن في أمان روحي وسلام فائق.
يقول القدّيس أغسطينوس: [قد تأتيك زوجتك لتنصحك بأمر شرّير. إنك تحبّها بكونها زوجتك يجب أن تُحب. هي عضو فيك، لكن إن أعثَرتْك عينك أو يدك أو رجلك كما سمعتَ في الإنجيل فاقطعها واِلقها عنك. مهما كان الإنسان عزيزًا لديك وله تقديره لديك، فإنّه قدر ما تُكرمه وتُحبّه لا تسمح له أن يُعثِرك مقدِّمًا لك مشورة شرّيرة....]
ويقول أيضًا: [يريد إنسان صاحب سلطان تغطية ظُلمه ونهبه للآخرين فيسألك أن تخدمه بشهادة زور؛ لترفضه. اُرفض القسَم الباطل لئلا تكون قد أنكرت من هو حق. إنه سيغضب وهو صاحب سلطان ويضغط عليك!... ماذا يستطيع ذاك الذي له سلطان أن يفعل لك أو بماذا يقدر أن يضايقك؟... إنه في غضبه وبسلطانه يقتل الجسد!... ليقتله فإن الجسد سيموت حتى وإن لم يُقتل، أمّا النفس فلا يمكن أن يقتلها إلا الظلم!... إن كان ذاك الذي أغضبه بالحق يضايق جسدي بالضيقات فإنّني أصغي لربي القائل: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد" (مت 10: 28).]
ولئلا يظن أحد أن بتْر عضو هو أمر سهل، سواء كان يدًا أو رجلاً أو عينًا، قال "انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار، لأني أقول لكم أن ملائكتهم في السماوات كل حين ينظرون وجه أبي في السماوات" [10]. كأنه قبل أن نقدّم على بتر عضو بصليب السيِّد، فنقطع علاقتنا به ننظر إلى خلاصه كأحد الصغار الذين يشتهي الله خلاصهم، فإن ملائكتهم وإن كانت حزينة على انحرافهم، لكنها تقف أمام الآب السماوي كل حين تشفع فيهم ليعمل فيهم لخلاصهم. إن النفس الحكيمة تعمل بكل الطاقة، لا للهروب من الخدمة، وإنما حتى بالنسبة للمعثِرين تبذل كل الطاقة لكي لا تخسر خلاصها وأبديتها، وفي نفس الوقت لا تفقد المعثِرين أنفسهم إن أمكن، مشتهية خلاصهم، متجاوبة مع ملائكتهم بل ومع سيّدهم نفسه، "لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يخلّص ما قد هلك" [11].
عمليّة البَتْر وإن كانت أحيانًا لازمة وضروريّة، لكنها تكون في أضيق نطاق بعد بذل كل الجهد بكل الطرق، لحَث المعثِرين أنفسهم على قبول الخلاص المقدّم من ابن الإنسان نفسه.
ولعلّ السيِّد قد أراد بكلماته هذه رفع "الطفولة" وعدم احتقارها، فإن كل إنسان مهما بدأ صغيرًا له ملاكه الذي يقف في حضرة الآب من أجله، بل ابن الإنسان نفسه مهتمّ بخلاصه.
ولعلّه وهو يطالبنا بالعودة إلى الطفولة أراد تأكيد ما لهذا العمل من بركات، وهو فرح ملائكتهم بهم الذين ينظرون وجه الآب السماوي كل حين، وينعمون بخلاص المسيح المجّاني.
إذن احتقار النفس البشريّة والاستهانة بخلاصها، سواء كانت نفس طفل صغير أو شخص ناضج، لإنسانٍ عظيمٍ أو حقيرٍ، أو ازدراء الإنسان لنفسه هو غير مبال بالعثْرة، إنّما هو ازدراء بعمل المسيح الخلاصي. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا تقل هذا عبد هارب أو ذاك لص أو قاتل، أو إنسان مثقّل بخطايا غير معدودة، أو متسوّل أو حقير... بل تأمّل أنه لأجله مات المسيح؛ أَما يكفي هذا ليكون أساسًا لنُعطيه كل اهتمام؟!]
أوضح السيِّد أبعاد الاهتمام بخلاص كل نفس وعدم اعثار أحد، بقوله:
"ماذا تظنّون: إن كان لإنسان مائة خروف وضلّ واحد منها،
أفلا يترك التسعة والتسعين على الجبال ويذهب يطلب الضال.
وإن اِتَّفق أن يجده،
فالحق أقول لكم أن يفرح به أكثر من التسعة والتسعين التي لم تضل.
هكذا ليست مشيئة أمام أبيكم الذي في السماوات أن يهلك أحد هؤلاء الصغار" [12-14].
هكذا يكشف السيِّد عن نظرته للإنسان أنه ليس مجرّد فرد بين عدد لا يُحصى، إنّما يهتمّ به الله شخصيًا وباسمه، مقدّمًا له كل اهتمامه أكثر من كل الجماعة المحفوظة في مراعيه على الجبال المقدّسة، لكي يجتذبه ويدخل به إلى العضويّة في هذه الجماعة، إن الله لا يهتمّ باَلكَمّ إنّما بالنوع، يهتمّ بكل عضو بكونه ابنًا له.
بهذا الروح الأبوي تطلّع القدّيس يوحنا الذهبي الفم إلى شعبه فلم ينشغل بالكاتدرائيّة المكتظَّة بالعابدين، ولم يفرح بكثرة الملتصقين بالكنيسة، وإنما كان يئن حزينًا لو أن إنسانًا واحدًا في المدينة لم ينعم بعد بالحياة الأبديّة. في اهتمامه بكل عضو يقول: [كل واحد منكم في عينيَّ يساوي المدينة كلها.] [لا يقل لي أحد أن كثيرين قد نفَّذوا الوصيّة فإنّني لا أبتغي هذا، بل أريد الكل أن يفعلوا هكذا. فإنّي لا أستطيع أن التَقط أنفاسي حتى أرى ذلك قد تحقّق، فإن كان واحد قد ارتكب الزنا بين أهل كورنثوس صار بولس يتنهّد كما لو أن المدينة كلها قد ضاعت.]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:38 pm

. المحبّة والعِتاب
إن كان التواضع المملوء حبًا هو مدخل الملكوت السماوي، فإن هذا التواضع يقوم على نفس منفتحة صريحة وواضحة. إن شَعَر المؤمن بأن أخًا له في الإيمان قد أخطأ إليه، ففي محبّة صادقة يذهب إليه ليعاتبه منفردًا حتى إذ يسمع منه يربح أخاه. "إن أخطأ إليك أخوك، فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربِحت أخاك" [15].
هذا السلوك الذي أوصانا به السيِّد ليس مجرّد عمل أخلاقي يلتزم به المؤمن، لكنّه في جوهره هو اختفاء في شخص السيِّد المسيح، فلا يرى المؤمن أخاه يسيء إليه، إنّما يسيء إلى نفسه وإلى تمتّعه بالأبديّة، فيذهب ليعاتبه لا بمعنى أنه يودّ تأكيد خطأه، أو ينتظر أن يعتذر له، وإنما يذهب إليه حاملاً فكر المسيح لكي يقتنيه بالحب للمسيح كعضوٍ حيٍّ في جسده، ينقذه من الخطأ ويربحه كعضوٍ معه في ذات الجسد.
يذهب إليه منفردًا حتى لا يتحوّل العِتاب إلى نوعٍ من التشهير، ولكي يعطي له الفرصة لمراجعة نفسه بلا عناد؛ يذهب إليه ليحمله إلى التوبة لله لا للاعتذار له. بهذا يطلب المؤمن سلامة حياة أخيه في الرب وليس معاقبته. لهذا يقول السيِّد إنك بهذا تربح أخاك، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إنه لم يقل أنك تنال انتقامًا كافيًا بل تربح أخاك، مظهرًا وجود خسارة مشتركة لك وله بسبب العداوة، إذ لم يقل "يربح نفسه" بل "تربح (أنت) نفسه" مظهِرًا أن الخسارة قد لحقت قبلاً بالاثنين، الواحد خسر أخاه والآخر خسر خلاصه.]
يقول القدّيس أغسطينوس: [لكي نستطيع أن نتمِّم ما قد أُمرنا به اليوم (كما جاءت العبارة الإنجيليّة التي بين أيدينا) يلزمنا قبل كل شيء ألا نحمل كراهية، لأنه عندما لا تكون هناك خشبة في عينك تقدر أن ترى حقًا ما بعين أخيك، وتكون متضايقًا حتى تُزيل عن عين أخيك ما تكرهه. النور الذي فيك لا يسمح لك بإهمال نور أخيك. أمّا إن حمَلتَ فيك كراهيّة، وتريد إصلاحه، فكيف تصلح نوره وأنت فاقد النور؟! إذ يقول الكتاب المقدّس: "كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس". كما يقول أن من "يبغض أخاه فهو إلى الآن في الظلمة" (1 يو 2: 9). فالبغضة إذن هي ظلمة، فمن يكره الآخرين إنّما يُضير نفسه أولاً، مفسدًا داخله...]
حقًا لقد أراد السيِّد أن يدخل بتلاميذه إلى حياة الغفران للآخرين، بعيدًا عن روح الانتقام والكراهيّة التي تحجبنا عن ملكوت السماوات. ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على ذلك بقوله: [عندما تُفكِّر في الانتقام، انظر أنك تنتقم من نفسك لا من الآخرين، إذ تربط خطاياك لا خطايا أخيك... أي شيء أكثر خطورة من أن تكون منتقمًا، إن كان هذا ينزع عنك عطيّة الله العُظمى؟!] ويرى نفس القدّيس أن الذي يُخطئ إلينا ويظلمنا، إنّما يسبّب لنا نفعًا عظيمًا إن احتملناه بحب، إذ يقول: [لا تقل أنه شتمك وافترى عليك وصنع بك شرورًا بلا حصر، فإنه بقدر ما تعدّدت هذه الأمور وبكونها صادرة عنه، تُعلن أنه نافع لك. إنه يقدّم لك فرصة لغسل خطاياك، وقدر ما تَعظُم الأضرار التي يصُبَّها عليك، يكون علّة لنوالك غفرانًا عظيمًا للخطايا.] وكما يقول: [إننا نعاقب أنفسنا بكراهيّتنا للآخرين، كما نستفيد بحبّنا لهم.]
لماذا نذهب للمخطئ ولا ننتظر مجيئه؟
يجيب القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لأنه ليس بالأمر السهل أن يذهب من ارتكب الخطأ ليعتذر لأخيه وذلك بسبب الخجل وارتباك وجهه. يطالب (السيِّد) الذي أُصيب بالخطأ ليس فقط بالذهاب إلى أخيه، وإنّما يذهب بطريقة بها يُصحّح ما قد حدث، فلم يقل له: اذهب اتَّهمه أو انصحه أو أطلب منه تصفية الحساب معه، وإنما (عاتبه) مخبرًا إيّاه بخطئه، وما هذا إلا تذكيره بما أخطأ به. اخبره بما حلّ بك على يديه، بطريقة لائقة كمن يقدّم له العذر، ويسحبه بغيره نحو المصالحة.]
ذهابنا إلى المخطئ بمفردنا لمعاتبته لكي نربحه في الحقيقة ليس إلا اقتداءً بالسيِّد المسيح نفسه، فقد جاء إلينا من سمواته ليعاتبنا بالحب، ويدفعنا بعمله الخلاصي للتوبة لكي يربحنا له كأعضاء جسده المقدّس. إنه لم ينتظرنا نذهب بل جاء إلينا! هذا فإن الوصيّة التي يقدّمها لنا السيِّد لا يمكننا أن نكمِّلها ما لم نحمله هو في داخلنا فنسلك سلوكه ونحمل فكره فينا.
يقول القدّيس أغسطينوس: [إذ أخطأ إليك أخوك سرًا ابحث عنه لتصحِّح خطأه خفية... فإن أردت توبيخه أمام الجميع فأنت لا تكون مصلحًا لأمره بل فاشيًا للسرّ... إن كان قد أخطأ إليك وحدك، وأنت تعرف ذلك، فهو مخطئ إليك وحدك، أمّا إذا أساء إليك أمام كثيرين، فقد أخطأ إليهم أيضًا بمشاهدتهم إساءته إليك... لهذا يجب انتهاره أمام جميع من ارتكب أمامهم الخطأ.]
ولكن، إن لم يسمع المخطئ منّا فماذا نفعل؟
"وإن لم يسمع فخذ معك أيضًا واحدًا أو اثنين
لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أوثلاثة،
وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة،
وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عِندك كالوثني والعشّار" [16-17].
حينما نأخذ معنا واحدًا أو اثنين ينبغي ألا يكون الهدف تأكيد خطأه والشهادة ضدّه وإنما لإقناعه، فنكون كالطبيب الذي يرى المرض يتزايد فيُّصرّ على تقديم دواء أكثر مرارة وأشد فاعليّة، ليس لأجل المرارة في ذاتها، وإنما من أجل شفائه. فإن لم يأتِ هذا التصرّف بثمر نُخْبر الكنيسة، لا كمن يشتكيه أمام المحكمة، وإنّما كمن يُخبر، لتهتم به وتعالجه بحكمة. داود النبي وهو نبي تقي ومشهود له من الله نفسه وحكيم، عندما أخطأ لم يُدرك خطأه حتى تلقَّفته الكنيسة في شخص ناثان النبي، لتُعيد له بصيرته التي أفسدتها الخطيّة، وتردّ له فكره وحكمته.
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ألا ترى كيف أنه يفعل هذا ليس من أجل العقوبة العادلة، وإنّما بقصد الإصلاح؟! لهذا لم يوصه من البداية أن يأخذ معه اثنين، وإنما بعد أن يفشل بمفرده، ولا أن يرسل إليه الجماعة ضدّه وإنما يرسل إليه اثنين أو واحدًا، فإن احتقر هذا التصرّف عندئذ فقط يحضره للكنيسة.]
أخيرًا إن لم يسمع من الكنيسة، رافضًا أمومتها، يكون قد رفض أبوة الله نفسه فيُحسب كالوثني والعشّار. إنه يلزم تجاهله، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لأن مرضه قد صار غير قابل للشفاء.]
إذن برفضه الكنيسة يَحرم الإنسان نفسه من العضويّة في جسد المسيح، ويصير من حق الكنيسة أن تربطه. إذ يكمّل السيِّد كلماته هكذا: "الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض، يكون مربوطًا في السماء، وكل ما تحلّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء" [18].إنه يربط نفسه بنفسه برفضه الفكر الكنسي، وتلتزم الكنيسة أن تربطه ليس تشفيًا فيه، وإنما لحفظ بقيّة الأعضاء من فساده لئلا يتسرب إليهم، كما تُعزل الخميرة الفاسدة عن العجين كله، أو يُبتر العضو الفاسد. وإن كان هذا الأمر لا يتمّ باستهتار أو بتسرّع. فإنه ليس سهلاً أن يقبل إنسان بتْر عضو من جسده إلا بعد استخدام كل وسيلة ووسيلة لعلاجه، وحينما يجد جسده كلّه في خطر يلتزم تسليمه للبتْر. أقول أنه ما أصعب على قلب الكنيسة أن ترى إنسانًا. يُلقي بنفسه خارجًا ويُلزمها بربطه، أنها تبقى منتظرة من يومٍ إلى يومٍ رجوعه لكي تحِلُّه فيجد بابها مفتوحًا له. لهذا يذكر السيِّد الربط أولاً فالحَل، ليعطي للمربوطين رجاءً في الحَل، وليلهب قلب الكنيسة نحو حلّ المربوطين فلا تستكين من جهة خلاصهم حتى وإن كانوا قد ألقوا أنفسهم بأنفسهم خارج أبوابها.
إذ يتحدّث السيِّد عن ربط الإنسان الرافض للكنيسة وحله متى رجع إليها بالتوبة، يقول: "وأقول لكم أيضًا إن اِتّفق اثنان منكم على الأرض في إي شيء يطلبانه، فإنه يكون لهما من قِبَل أبي الذي في السماوات. لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم" [20].كأن السيِّد المسيح يُعلن لكنيسته أن تبقى مصلِّية من أجل المربوطين، حتى وإن كان أعضاء هذه الكنيسة المحليّة اثنين أو ثلاثة على الأرض، فإنهم إذ يُصلّون معًا في اتّفاق بقلبٍ واحدٍ يحلّ المسيح نفسه "المحبّة" في وسطهم، وتُقبل صلواتهم أفضل من صلوات الكثيرين كل على انفراد.
يقول السيِّد "إن اتِّفق اثنان على الأرض"، لأن في اتِّفاقهما معًا بروح الحب يتّحد معهما بعض أعضاء الكنيسة الراحلين وأيضًا بعض السمائيّين، فيفرح الله بصلاة الشركة هذه!
يرى البعض في الحديث عن الاثنين أو الثلاثة هنا إشارة إلى كنيسة البيت، حيث يجتمع الزوجان معًا في الرب بروح الحب الحقيقي ومعهما الأولاد، فيسكن الرب في وسط البيت كقائدٍ لهم.
كما يرى الكثير من الآباء في قول الرب تأكيد لأهمّية حياة الشركة المُقامة على الحب في الرب، وتحذير من حياة العزلة، إذ يقول الكتاب: "اثنان خيرٌ من واحد، لأن لهما أجرة لتعبهما صالحة، لأنه إن وقع أحد يُقيمه رفيقُه، وويلٌ لمن هو وحده، إن وقع إذ ليس ثان ليُقيمه... والخيط المثلوث لا ينقطع سريعًا" (جا4: 9-12).
v إن كان اثنان بفكر واحد يستطيعان أن يفعلا هكذا فكم بالأكثر متى وُجد اتّفاق في الفكر بين الجميع؟!
القدّيس كبريانوس
v إن كان الرب يقول أنه إذا اتّفق اثنان معًا على الأرض في أي شيء يطلبانه يُعطى لهما... فكم بالأكثر إن اجتمعت كل الجماعة معًا باسم الرب؟!
v آمن أن الرب يسوع حاضر عند اِستدعاء الكاهن، إذ يقول: "حينما اجتمع اثنان أو ثلاثة أكون في وسطهم"، فكم بالأكثر إن اجتمعت الكنيسة وأقيمت الأسرار يهبْنا حضوره؟!
القدّيس أمبروسيوس
v الصلاة الجماعيّة تُستجاب سريعًا، وتأتي بثمر كثير عندما تكون متّحدة وباتفاق في الرأي.
الآب يوحنا من كرونستادت
v لقد وَضع الاتِّفاق أولاً، وجعل من اتِّفاق السلام أساسًا أوَّليًا، معلِّما إيّانا أنه يليق بنا أن نتَّفق معًا بثبات وإيمان. ولكن كيف يمكن أن يوجد اتِّفاق مع شخص لا يتّفق مع جسد الكنيسة نفسها والأخوة الجامعة؟! كيف يمكن لاثنين أو ثلاثة أن يجتمعوا معًا باسم المسيح مع وضوح انفصالهم عن المسيح وعن إنجيله؟! فإنّنا لم ننفصل نحن عنهم بل هم انفصلوا عنّا، فظهرت الهرطقات والانشقاقات، وأقاموا لأنفسهم أماكن مختلفة للعبادة تاركين رأس الحق ومصدره.
القدّيس كبريانوس
4. المحبّة الغافرة
حينئذ تقدّم إليه بطرس وقال:
يا رب كم مرّة يخطئ إليّ أخي وأنا اغفر له،
هل إلى سبع مرّات؟
قال له: لا أقول لك إلى سبع مرّات، بل إلى سبعين مرّة سبع مرّات" [21-22].
إن كانت الكنيسة تلتزم بتنقيّة أعضائها، مع اهتمامها الشديد بكل وسيلة لإصلاح المخطئين مهما بلغ شرّهم، فما هو موقف العضو نحو أخيه المخطئ إليه، كم مرّة يغفر له الخطأ الشخصي؟
لقد ضرب الرسول بطرس رقم (7) بكونه يُشير إلى الكمال عند اليهود، وكأنّه رفع الغفران للأخ إلى اللاحدود من أجل محبّته له، أمّا السيِّد فأكَّد قائلاً: "بل إلى سبعين مرّة سبع مرّات". وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا يقدّم (السيِّد) هنا عددًا معينًا (70×7=490) بل ما هو غير محدود ودائم إلى الأبد... فلا يحدّد رقمًا للمغفرة، إنّما يطلب أن تكون دائمًا وأبديّة.]
ويرى القدّيس أمبروسيوس أن رقم 7 يُشير إلى السبت الأبدي أو الراحة، وكأنّ المؤمن إذ يغفر لأخيه يدخل إلى الراحة الأبديّة. فالغفران بلا حدود مادام يطلب راحة بلا حدود!
ويرى القدّيس أغسطينوس أن السيِّد المسيح يطلب منّا الغفران لإخوتنا 77 مرّة يوميًا لا بمعنى عدم مغفرة الخطأ رقم 78، ولكن لأن رقم 10 يُشير إلى الناموس، والوصيّة بعدم كسره تكون مفهومة ضمنًا تمثل رقم "11" وكأنه متى أخطأ أخوك كاسرًا كل الوصايا (11) بغير حدود (7) فاغفر له لكي تقتنصه بالحب إلى الحياة المقدّسة في الرب.
يجيب القدّيس جيروم على التساؤل: إن طلب أخي بشفتيَّه لا بقلبه فماذا أفعل؟ قائلاً: [إن أخطأ سبعين مرّة سبع مرّات يوميًا وسألك الصفح فاغفر له، ولا تقل إنه لا يطلب الصفح من أعماق قلبه بل يكذب. أترك الدينونة لله! هو توسّل إليّ وطلب منّي، فإن كان لا ينطق بالحق، فالله هو الذي يعلم. أنا اسمع الصوت لكن المسيح هو الذي يفهم القلب. أنا أقبل ما اسمعه، والمسيح يقبل ما يدركه. هذا ولتفكِّر في مكافأتِك، فإن كان هو يكذب وأنت قبلت كذبه كصدق، يكون لك ذلك خلاصًا أمّا بالنسبة له فيكون موتًا.]
وقد رأى القديس يوحنا الدرجي في وصية السيِّد انفتاحًا لأبواب الرجاء أمامنا لدى الرب نفسه، إذ يقول: [في أوقات اليأس لا تتوقّف عن تذكُّر وصيّة الرب لبطرس أن يغفر للمخطئ سبعين مرة سبع مرات، فإن الرب الذي أعطى هذه الوصيّة يعمل هو أعظم منها بكثير (نحونا). ولكن عندما نتكبَّر فلنتذكَّر القول: من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة - أي سقط في الكبرياء - فقد صار مجرمًا في الكل.]
5. مثل الملك المترفِّق والعبد الشرّير
إذ أراد السيِّد أن يقدّم مثلاً للترفُّق بالآخرين قال:
"لذلك يشبه ملكوت السماوات إنسانًا ملكًا أراد أن يحاسب عبيده.
فلما ابتدأ في المحاسبة قدّم إليه واحد مديون بعشرة آلاف وزنة.
وإذ لم يكن له ما يوفي أمر سيّده أن يُباع هو وامرأته وأولاده وكل ماله ويوفي الدين.
فخرّ العبد وسجد له قائلاً:
يا سيّد تمهل عليّ فأوفيك الجميع.
فتحنّن سيّد ذلك العبد وأطلقه وترك له الدين" [23-27].
في هذا المثل يظهر الملك رمزًا للديّان الذي يقف أمامه الإنسان مدينًا بعشرة آلاف وزنة، بينما يُعلن الإنسان عجزه التام عن الإيفاء بالدين. ويلاحظ في هذا المثل:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:38 pm

في هذا المثل يظهر الملك رمزًا للديّان الذي يقف أمامه الإنسان مدينًا بعشرة آلاف وزنة، بينما يُعلن الإنسان عجزه التام عن الإيفاء بالدين. ويلاحظ في هذا المثل:
أولا: يشبه ملكوت السماوات بإنسان ملك، وكما يقول العلاّمة أوريجينوس: [ملكوت السماوات هذا هو ابن الله، عندما صار في شكل جسد الخطيّة، متّحدًا بالناسوت فصار إنسانًا ملكًا.]
ثانيًا: العشرة آلاف وزنة التي اِسْتَدانها الإنسان، إنّما هي كسر الوصايا الإلهيّة. فإن كان رقم 10 يُشير إلى الوصايا العشرة، ومن أخطأ في وصيّة يكسر الناموس كله، وأما رقم 1000 فيُشير للأبديّة، فإن رقم 10.000 يعني أن الإنسان مدين بكسر وصايا بدِين لا يقدر أن يفيه عَبر حياته الزمنيّة.
يقول القدّيس أغسطينوس: [يلزمنا أن نؤكِّد أنه كما أُعطى الناموس في عشر وصايا، فإن العشرة آلاف وزنة تعني كل الخطايا التي اُرتكبت في حق الناموس.]
ما كان يمكن للإنسان أن يفي الدين الإلهي، فصدر الأمر ببيعه هو وزوجته وأولاده وكل ماله، لعلّه يقدر أن يفي شيئًا. إن كسر الوصيّة الإلهيّة قد دفع الإنسان ليفقد كل شيء، يفقد نفسه - أي روحه الداخليّة -التي أصابها الموت الأبدي بحرمانها من الله مصدر حياتها، ويفقده زوجته - أي جسده المرتبط به - ويلزم أنيعوله ويربِّيه، فصار الجسد الصالح دنسًا، مثقّلا بشهوات فاسدة قاتلة تثقِّل النفس وتفسد الفكر والحواس. أمّا الأولاد فيُشيرون إلى المواهب المتعدّدة التي تحوّلت خلال الخطيّة من آلات برّ لله إلى أداة إثم تعمل لحساب الشيطان؛ أمّا كل ماله - فيعني ممتلكاته - من ذهب وفضّة ونحاس الخ. الأمور التي وإن كانت صالحة في ذاتها لكنها خلال فساد الإنسان صارت معثرة له.
يرى القدّيس جيروم أن الزوجة هنا هي "الغباوة"، فكما أن الحكمة هي زوجة الإنسان البار كقول الكتاب "قل للحكمة أنتِ أختي... لتحفظك من المرأة الأجنبيّة من الغربية المَلِقة بكلامها" (أم 7: 4-5)، فإن الشرّير زوجته "الغباوة". فباتّحاد البار بالحكمة ينجب أفكارًا مقدّسة وسلوكًا فاضلاً في الرب، ينجب بنينًا للحكمة يفرح بهم الرب، هكذا الشرير بالتصاقه بالغباوة ينجب أولادًا هم الأفكار الشرّيرة والتصرّفات الدنسة.
ويرى القدّيس أغسطينوس في الزوجة "الرغبة الشرّيرة" التي تلتصق بالشرّير، فتلد أبناء هم أعماله الشرّيرة. وكأن الإنسان في شرّه يقدّم لدى الديّان حسابًا عن زوجته، أي رغبته أو إرادته الشرّيرة، وعن أولاده، أي تصرّفاته الشرّيرة.
لقد تحنّن الملك على المدين فلم يتمهَّل عليه فحسب كطلبه [26]، وإنما أعطاه أكثر ممّا يسأل وفوق ما يفهم، إذ أطلقه حرًا هو زوجته وأولاده، وترك له ما لديه وعفا عنه الدين. كان هذا المسكين يطلب الإمهال ظانًا أنه يقدر أن يفي، ولم يُعلّم أنه عاجز كل العجز في تحقيق هذا الأمر مهما طال الزمن، لهذا أطلقه السيِّد إلى الحرّية خلال الصليب تاركًا له كل الدين بنعمته المجّانيّة. وهبه حرّية النفس والجسد، مقدّسًا مواهبه وكل ما يملكه، ليصير بكلّيته مقدّسًا له.
كان يمكن لهذا العبد أن يعيش هكذا في الحرّية كمن هو بلا دين يحمل كل شيء مقدّسًا، غير أن المعطِّل الوحيد الذي أوقف هذه النعم ونزعها عنه ليردّه إلى أشرّ ممّا كان عليه هو اِنغلاق قلبه على أخيه الذي كان مدينًا له بمائة وزنة، أي بدين بشري تافه، لأن رقم 100 تُشير إلى الجماعة في هذا العالم.
مسكين هذا الإنسان الذي ينعم بالتحرّر من عشرة آلاف وزنة، ولا يتنازل لأخيه عن مائة وزنة بل يكون معه قاسيًا، فيرتدّ إليه دينه الأصيل ليعجز عن الإيفاء. مهما ارتكب الإخوة في حقّنا، إنّما نكون دائنين لهم بمائة وزنة، فإن لم نتنازل عنها لن ننعم بالتنازل عن الدين الذي علينا لدى الله. "إن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاّتكم" (مت 5: 15).
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ لم يكن بعد صوت المغفرة يدوي في أذنيه إذا به ينسى محبّة سيّده المترفّقة! انظر أي صلاح أن تتذكَّر خطاياك! فلو أن هذا الإنسان احتفظ بها بوضوح في ذاكرته ما كان قد صار هكذا قاسيًا وعنيفًا. لهذا أكرّر القول... إن تذكار معاصينا أمر مفيد للغاية وضروري جدًا. ليس شيء يجعل النفس حكيمة بحق ووديعة ومترفّقة مثل تذكار خطايانا على الدوام. لهذا كان بولس يتذكّر خطاياه التي ارتكبها ليس فقط بعد التطهير وإنما تلك التي ارتكبها قبل عماده مع أن هذه جميعها قد غُفرت في الحال وأزيلت.]
لقد أحزن هذا قلب العبيد رفقائه جدًا، إذ يقول السيِّد: "فلما رأى العبيد رفقاؤه ما كان حزنوا جدًا، وأتوا وقصّوا على سيّدهم كل ما جرى، فدعاه حينئذ سيّده وقال له: "أيها العبد الشرّير كل ذلك الدين تركته لك لأنك طلبت إليّ، أفما كان ينبغي أنك أنت أيضًا ترحم العبد رفيقك كما رحمتَك أنا؟!"
إن كان العبد المسكين الذي أسره رفيقه في السجن طالبًا أن يفي بالمائة وزنة لم يفتح فمه ليشتكيه، لكن صوت الجماعة يصرخ من الداخل بالحزن الشديد، ويسمع الله تنهّدات البشريّة الخفيّة من أجل قسوة الناس على إخوتهم وعدم صفحهم لهم، فيكيل لهم بالكيل الذي يكيلون به لإخوتهم.
إن كان هذا هو حال البشريّة التي تئن من أجل عدم تنازل الإنسان لأخيه عن أخطائه التي سبق فارتكبها ضدّه، فماذا يكون قلب الكنيسة التي تحزن جدًا عندما ترى من أولادها من لا يصفح ليخسر في غباوة ما تمتّع به من عطايا إلهيّة ونِعم مجّانيّة. بل هذا ما هو يحزن قلب السمائيّين، وقلب الله نفسه الذي يطلب أن يجد صورته ومثله فينا!
لقد أكّد لنا السيِّد أن نغفر ليُغفر لنا: "هكذا أبي السماوي يفعل بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحدٍ لأخيه زلاته" [35].ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الإلهيّة: [لم يقل "أباكم" بل "أبي"، إذ لا يليق أن يدعى الله أبًا لإنسان شرّير هكذا وحقود!]
1 في تلك الساعة تقدم التلاميذ الى يسوع قائلين فمن هو اعظم في ملكوت السماوات
2 فدعا يسوع اليه ولدا و اقامه في وسطهم
3 و قال الحق اقول لكم ان لم ترجعوا و تصيروا مثل الاولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات
4 فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الاعظم في ملكوت السماوات
5 و من قبل ولدا واحدا مثل هذا باسمي فقد قبلني
6 و من اعثر احد هؤلاء الصغار المؤمنين بي فخير له ان يعلق في عنقه حجر الرحى و يغرق في لجة البحر
7 ويل للعالم من العثرات فلا بد ان تاتي العثرات و لكن ويل لذلك الانسان الذي به تاتي العثرة
8 فان اعثرتك يدك او رجلك فاقطعها و القها عنك خير لك ان تدخل الحياة اعرج او اقطع من ان تلقى في النار الابدية و لك يدان او رجلان
9 و ان اعثرتك عينك فاقلعها و القها عنك خير لك ان تدخل الحياة اعور من ان تلقى في جهنم النار و لك عينان
10 انظروا لا تحتقروا احد هؤلاء الصغار لاني اقول لكم ان ملائكتهم في السماوات كل حين ينظرون وجه ابي الذي في السماوات
11 لان ابن الانسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك
12 ماذا تظنون ان كان لانسان مئة خروف و ضل واحد منها افلا يترك التسعة و التسعين على الجبال و يذهب يطلب الضال
13 و ان اتفق ان يجده فالحق اقول لكم انه يفرح به اكثر من التسعة و التسعين التي لم تضل
14 هكذا ليست مشيئة امام ابيكم الذي في السماوات ان يهلك احد هؤلاء الصغار
15 و ان اخطا اليك اخوك فاذهب و عاتبه بينك و بينه وحدكما ان سمع منك فقد ربحت اخاك
16 و ان لم يسمع فخذ معك ايضا واحدا او اثنين لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين او ثلاثة
17 و ان لم يسمع منهم فقل للكنيسة و ان لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني و العشار
18 الحق اقول لكم كل ما تربطونه على الارض يكون مربوطا في السماء و كل ما تحلونه على الارض يكون محلولا في السماء
19 و اقول لكم ايضا ان اتفق اثنان منكم على الارض في اي شيء يطلبانه فانه يكون لهما من قبل ابي الذي في السماوات
20 لانه حيثما اجتمع اثنان او ثلاثة باسمي فهناك اكون في وسطهم
21 حينئذ تقدم اليه بطرس و قال يا رب كم مرة يخطئ الي اخي و انا اغفر له هل الى سبع مرات
22 قال له يسوع لا اقول لك الى سبع مرات بل الى سبعين مرة سبع مرات
23 لذلك يشبه ملكوت السماوات انسانا ملكا اراد ان يحاسب عبيده
24 فلما ابتدا في المحاسبة قدم اليه واحد مديون بعشرة الاف وزنة
25 و اذ لم يكن له ما يوفي امر سيده ان يباع هو و امراته و اولاده و كل ما له و يوفي الدين
26 فخر العبد و سجد له قائلا يا سيد تمهل علي فاوفيك الجميع
27 فتحنن سيد ذلك العبد و اطلقه و ترك له الدين
28 و لما خرج ذلك العبد وجد واحدا من العبيد رفقائه كان مديونا له بمئة دينار فامسكه و اخذ بعنقه قائلا اوفني ما لي عليك
29 فخر العبد رفيقه على قدميه و طلب اليه قائلا تمهل علي فاوفيك الجميع
30 فلم يرد بل مضى و القاه في سجن حتى يوفي الدين
31 فلما راى العبيد رفقاؤه ما كان حزنوا جدا و اتوا و قصوا على سيدهم كل ما جرى
32 فدعاه حينئذ سيده و قال له ايها العبد الشرير كل ذلك الدين تركته لك لانك طلبت الي
33 افما كان ينبغي انك انت ايضا ترحم العبد رفيقك كما رحمتك انا
34 و غضب سيده و سلمه الى المعذبين حتى يوفي كل ما كان له عليه
35 فهكذا ابي السماوي يفعل بكم ان لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لاخيه زلاته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:39 pm

لأصحاح التاسع عشر
مدعُوُّو الملكوت
يقدّم لنا الإنجيلي متّى عيِّنات من المدعوِّين للملكوت من متزوّجين وبتوليّين وأطفال وأغنياء ورعاة:
1. الملكوت والحياة الزوجيّة 1-9.
2. الملكوت والبتوليّة 10-12.
3. الملكوت والأولاد 13-15.
4. الملكوت والغِنى 16-26.
5. الملكوت والرعاة 27-30.
1. الملكوت والحياة الزوجيّة
باب الملكوت ضيق وقليلون هم الذين يجدونه، لكنّه في جوهره هو شخص السيِّد نفسه الذي يحملنا فيه، ويدخل بنا إلى حضن أبيه، فنكون معه شركاء في مجده. هذا الباب مفتوح للمتزوّجين كما للبتوليّين، للأطفال كما للناضجين، للفقراء كما للأغنياء، للرعاة والرعيّة. إنه يمس حياة كل من يقبله فيجعلها حياة فردوسيّة أبديّة.
فمن جهة المتزوّجين، يقدّم لنا السيِّد مفهومًا جديدًا للحياة الزوجيّة خلاله نتفهم لقاء المتزوّجين مع التمتّع بالملكوت.
"وجاء إليه الفرّيسيّون ليجرّبوه، قائلين له:
هل يحلّ للرجل أن يطلِّق امرأته لكل سبب؟
فأجاب وقال لهم: أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى.
وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته،
ويكون الاثنان جسدًا واحدًا.
إذًا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد،
فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان" [3-6].
أراد الفرّيسيّون أن يجرّبوه ربّما لأنهم سمعوا ما قاله بخصوص التطليق في الموعظة على الجبل، فقدّموا له سؤالاً لعلّه يجيب بخلاف ما ورد في شريعة موسى رافضًا التطليق (إلا لعلّة الزنا)، فيُحسب في أعينهم كاسرًا للشريعة. أمّا هو فاستغلّ الفرصة ليقدّم لهم "الحياة الزوجيّة" في مفهوم روحي عميق ومن منظار إلهي كحياة فردوسيّة، وليس عقدًا اجتماعيًا مجرّدًا، خلالها يختبر الزوجان اتّحاد النفس بالله، فينجذِبا خلال هذه الحياة المقدّسة إلى تذوّق الملكوت الداخلي. ويلتهب قلباهما نحو الحياة السماويّة الأخرويّة ليدخلا إلى عرس أبدي، وكأن الزواج ليس عائقًا عن الملكوت وإنما هو ظلُّه، خلاله يختبر المؤمنون بحق الانطلاق نحو زواج روحي مع العريس الأبدي بفعل الروح القدس.
والعجيب أن السيِّد المسيح قد بارك البشريّة وقدّس أعمالها، فجاء ابنًا للإنسان ليقدّس بنيّ البشر، ويقدّس الحياة البشريّة ويرفع من شأنها. بطفولته قدّس الطفولة التي احتقرها البشر زمانًا طويلاً، وبمشاركته للقدّيس يوسف أعماله اليوميّة قدّس العمل اليومي، بصلواته وأصوامه قدّس عبادتنا، ببتوليّته قدّس الحياة البتوليّة، فما هو موقفه من الحياة الزوجيّة؟ لقد قدّس السيِّد المسيح الحياة الزوجيّة بأن قدّمها فيه بطريقة فائقة كعريس يمد يده للبشريّة كلها ويتقبّلها عروسًا له، دافعًا حياته مهرًا لها وواهبًا إيّاها روحه القدّوس عطيّته المجّانيّة للعروس الواحدة. إنه كعريس واحد للعروس الواحدة، يقدّم لنا صورة حيّة للحياة الزوجيّة خلالها استمدّت الأسرة المسيحيّة كيانها وتقديسها. إن كان السيِّد يقول: "أما قرأتم أن الذي خلق منذ البدء خلقهما ذكرًا وأنثى" [4].إنما يدخل بنا إلى آدم الأول وحواء، فنفهم الحياة الزوجيّة خلال آدم الثاني وحواء الجديدة التي هي عروسه الكنيسة.
لقد خلق الله الرجل أولاً ثم المرأة من جنبه، صورة حيّة للعريس الأبدي الواحد الذي فيه أوجدت الكنيسة مقدّسة خلال جنبه المطعون. يرى المتزوّجون في آدم الأول وحواء الأولى مثالاً حيًا للحياة الزوجيّة الأمينة والوحدة الأسريّة، يعرف آدم حواء كمعينة تسنده في وحدته وسط الفردوس يحبّها كجسده ويعرف موضعها الحقيقي أنها في جنبه، تشاركه كل شيءٍ. أمّا هي، فتعرف آدم رأسًا لها ليس متعاليًا، لأنها ليست من قدميه، ولا بغريبة عنه لأنها واحد معه من جسده! ويرى المتزوّجون في آدم الثاني العريس الحقيقي الذي فَتح جنبه بالحب، لا لتخرج منه حواء، بل لتدخل فيه جموع البشريّة المؤمنة عروسًا واحدة، جسده المقدّس! هذا ما تؤكّده الكنيسة في ليتورجيّة الزواج فتركّز في صلواتها وطلباتها وألحانها على الكشف عن هذه العلاقة الروحيّة التي تربط العريس الملك الأبدي بعروسه الكنيسة المقدّسة . لقد تلقَّفت الكنيسة هذا الفكر عن الرسول بولس أثناء حديثه عن العلاقات الأسريّة، إذ يقول: "أيها النساء اِخضعْن لرجالكُن كما للرب، لأن الرجل هو رأس المرأة، كما أن المسيح هو رأس الكنيسة وهو مخلّص الجسد. ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن في كل شيء. أيها الرجالأحبُّوا نساءكم كما أحب المسيح أيضًا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها."
إن كان السيِّد قد قدّس الحياة الزوجيّة بتقديم حياة عُرْسيّة ملكوتيّة فائقة، فيه يقبل البشريّة عروسًا له، فإنه أيضًا قدّس الزواج الذي يتمّ هنا على الأرض بين الرجل والمرأة، بحضوره عرس قانا الجليل كأول عمل له بعد عماده. هذا هو الطريق الثاني لمباركته هذه الحياة. يقول القدّيس أغسطينوس: [بحضور الرب العرس الذي دُعي إليه أراد بطريقة رمزيّة أن يؤكّد لنا أنه مؤسِّس سرّ الزواج، لأنه يظهر قوم قال عنهم الرسول أنهم مانعون عن الزواج (1 تي 4: 3)، حاسبين الزواج شرًا من صنع الشيطان.]
يكشف لنا السيِّد هذه الحياة الزوجيّة بقوله: "من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا. إذًا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد، فالذي جمعه الله لا يفرِّقه إنسان" [5-6].
لقد تمّم السيِّد هذا العمل أيضًا، وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [ترَك أباه إذ أظهر ذاته كمن هو غير مساوٍٍ للآب بإخلاء نفسه وأخذ شكل العبد (في 2: 7) وترك أمُّه المجمع الذي منه وُلد حسب الجسد، ملتصقًا بامرأته أي كنيسته.]
خلال هذا العرس الأبدي يتمتّع المتزوّجون بهذا الحب الذي به يلتصق كل منهما بالآخر، وكما يقول الرسول: "هذا السرّ عظيم، ولكني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة، وأمّا أنتم الأفراد فليُحب كل واحد امرأته هكذا كنفسه، وأما المرأة فلتهب رجلها" (أف 32:5-33).
يقول الآب يوحنا من كرونستادت: [لنفهم العبارة يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته إمّا بالمعنى الحرفي للكلمات أو المعنى الرمزي، إذ يلتصق الإنسان بالمسيح حيث الحب الأسمى والأقدس، الذي هو أعظم من الحب للزوجة.]
إذ حدّ السيِّد التطليق حتى كاد أن يمنعه تمامًا إلا في حالة الزنا (مت 5: 31-32)، ظنّوا أنه يكسر الوصيّة الموسويّة، قائلين: "فلماذا أوصى موسى أن يُعطي كتاب طلاق فتطلَّق؟ قال لهم: إن موسى من أجل قسوة قلوبكم أذن لكم أن تطلِّقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا. وأقول لكم إن من طلَّق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوَّج بأخرى يزني، والذي يتزوَّج بمطلَّقة يزني" [7-9].
في هذا يقول القدّيس أغسطينوس: [لم تأمر الشريعة الموسويّة بالطلاق بل أمرت من يطلق امرأته أن يعطيها كتاب طلاق، لأن في إعطائها كتاب طلاق ما يهدِّئ من ثورة غضب الإنسان. فالرب الذي أمر قساة القلوب بإعطاء كتاب طلاق أشار إلى عدم رغبته في الطلاق ما أمكن. لذلك عندما سُئل الرب نفسه عن هذا الأمر أجاب قائلاً: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذِن لكم، لأنه مهما بلغت قسوة قلب الراغب في طلاق زوجته، إذ يعرف أنه بواسطة كتاب الطلاق تستطيع أن تتزوّج من آخر، يهدأ غضبه ولا يطلّقها. ولكي ما يؤكّد رب المجد هذا المبدأ، وهو عدم طلاق الزوجة باستهتار جعل الاِستثناء الوحيد هو علّة الزنا. فقد أمر بضرورة احتمال جميع المتاعب الأخرى (غير الزنا) بثبات، من أجل المحبّة الزوجيّة ولأجل العفّة. وقد أكّد رب المجد نفس المبدأ بدعوته من يتزوّج بمطلَّقة زانيًا.]
ارتباط الزوجين معًا صورة حيّة للوحدة بين المخلّص وكنيسته إلى الأبد، فإن كان الرسول البتول يقول: "وأما المتزوّجون فأوصيهم لا أنا بل الرب، أن لا تُفارق المرأة رجلها، ولا يترك الرجل امرأته" (رو7: 2-3)، فكم بالأحرى يهتمّ الله ألا يفارق كنيسته ولا ينزعها من أحضانه الأبديّة، مقدّمًا كل إمكانيّاته الإلهيّة لثباتها فيه إلى الأبد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:40 pm

2. الملكوت والبتوليّة
إذ سمع التلاميذ كلمات السيِّد رأوا في الرباط الزوجي الذي لا ينحل إلا بالزنا أمرًا غاية في الصعوبة، فقالوا له: "إن كان هكذا أمر الرجل مع المرأة فلا يوافق أن يتزوَّج" [10]. لم يكن التلاميذ قد أدركوا بعد سرّ الملكوت كما يليق ولا فهموا "الاتّحاد"، لهذا رأوا في الحياة الزوجيّة كما عرضها السيِّد تكاد تكون مستحيلة. أمّا المؤمن فإذ يتذوّق الملكوت السماوي في قلبه ويختبر ثباته في عرسه الأبدي وحلول عريسه في داخله يتقبّل زوجته من يديه، فيرى في اتّحاده معها عملاً إلهيًّا فائقًا يقوم به الروح القدس نفسه.
لقد ظنّ التلاميذ البتوليّة أسهل من الزواج، لكن السيِّد صحَّح لهم مفهومهم معلنًا أنه كما الاتّحاد الزوجي هو صورة للحياة الملكوتيّة الأبديّة، فإن البتوليّة أيضًا تقدّم صورة حيّة لهذه الحياة وبشكلٍ أعمق. إنه يقول: "ليس الجميع يقبلون هذا الكلام، بل الذين أُعطى لهم. لأنه يوجد خصيان وُلدوا هكذا من بطون أمَّهاتهم. يوجد خصيان خصاهم الناس، ويوجد خصيان خَصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات من استطاع أن يقبل فليقبل" [11-12].
ليست البتوليّة الحقّة هروبًا من الزواج بسبب صعوبة الحياة الزوجيّة، لكنها دخول في الحياة الملكوتيّة الأبديّة. إن كان طريق الزواج المسيحي يبدو صعبًا، فإن الحياة البتوليّة الحقيقية هي هبة ليست للجميع، إذ يقول: "ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أُعطيَ لهم" [11].
ليست كل بتوليّة حسب الجسد هي بتوليّة حقَّة، فقد ميّز السيِّد بين ثلاثة أنواع من البتوليّة:
أولاً: يوجد خصيان وُلدوا هكذا من بطون أمّهاتهم، يقصد بهم غير القادرين على الحياة الزوجيّة بسبب مرض جسدي. هؤلاء تُحسب بتوليّتهم - إن صح التعبير - ليست إلا عجزًا عن الزواج، يحمل الجانب السلبي، فلا تُقدّم شيئًا كبتوليّة.
ثانيًا: يوجد خصيان خصاهم الناس، هؤلاء غالبًا ما كانوا نوعًا من العبيد اِئْتمنهم السادة على ممتلكاتهم، فخصُوهم لخدمة الرجال والنساء معًا في بيوت سادتهم. فيُحرم هؤلاء الخصيان من حياتهم الزوجيّة لأجل خدمة سادتهم! هذه صورة مرّة للحياة البتوليّة - إن صح التعبير - التي لا تُقدَّم عن عجز كالفئة السابقة وإنما يتقبّلونها إرضاءً للناس. إنهم يحملون صورة التقوى والعفّة لا من أجل الملكوت، وإنما من أجل كرامةٍ زمنيّةٍ ومجدٍ باطلٍ، وهذه أخطر صورة للحياة المسيحيّة الشكليّة.
ثالثًا: يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات، وهذه فئة روحيّة رائعة تضم في الحقيقة جميع المؤمنين العاملين بالحب لله بكونهم بتوليّين روحيّين، عذارى ينتظرون العريس، وعلى وجه الخصوص جماعة البتوليّين روحًا وجسدًا من أجل الرب.
البتوليّون من أجل الملكوت السماوي هم الذين تقدّموا لصليب ربّنا يسوع المسيح، لا ليُحرموا من الحياة الزوجيّة عن عجز ولا من أجل الناس، وإنما اشتياقًا للتكريس الكامل روحًا وجسدًا للعريس الأبدي. هؤلاء يناجيهم السيِّد، قائلاً: "أختي العروس جنّة مُغْلقة، عين مُقْفلة، ينبوع مختوم" (نش 4: 12). أنها ليست عاجزة ولا مقفرة، إنّما هي جنّة تكتظ بكل أنواع الأشجار وعين ماء وينبوع لا ينضب، لكنها لا تترك هذا كلّه لآخر غير عريسها. إنها بتول لا تعاني حرمانًا، كما لا تُسلّم ذاتها إلا لمن قدّم حياته لها.
هذا ويلاحظ أن الحياة البتوليّة ليست إلزاميّة إذ يختم السيِّد حديثه هكذا: "من استطاع أن يقبل فليقبل" [12].يقول القدّيس جيروم: [لا يوجد إلزام ترتبط به، فإن أردت أن تنال المكافأة إنّما يكون ذلك بكامل حريتك.] ويقول القدّيس أمبروسيوس: [أن ما يعلنه السيِّد هنا ليس بوصيّة ملزِمة لكنها مشورة يقبلها الراغبون في درجات الكمال.]
يحذّرنا القدّيس كبريانوس لئلا نعتمد على بتوليّة الجسد وحدها حتى وإن كانت من أجل الرب، إنّما يلزم الجهاد في بتوليّة النفس خلال التمتّع بالحياة الكنسيّة المقدّمة. لقد خشَىَ َعلى البتوليّين من الكبرياء خلال بتوليّتهم الجسديّة، إذ يقول: [ليت الذين صاروا خصيانًا من أجل ملكوت السماوات مرّة يُرضون الله في كل شيء، ولا يضادّون كهنة الله ولا رب الكنيسة خلال عثرة شرّهم.]
3. الملكوت والأولاد
رأينا التلاميذ يسألون السيِّد عمَّن هو أعظم في ملكوت السماوات فقدّم لهم ولدًا، قائلاً: "الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت 18: 3). والآن نرى الأولاد يُقدّمون إليه ليضع يديه عليهم ويصلّي. حقًا لقد انتهرهم التلاميذ، "أمّا يسوع فقال: دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات. فوضع يديه عليهم ومضى من هناك" [14-15].
إن كان المتزوّج يتلمَّس مفهوم الملكوت السماوي خلال حياته الزوجيّة المقدّسة والاتّحاد الزوجي الفائق، والبتول يلتهب قلبه حنينًا نحو الملكوت كعذارى تترقَّب عريسها، فإن الأولاد الصغار هم المَثل الحيّ الذي يُقدّم لكل مؤمن ليكون له حق العضويّة في هذا الملكوت. لم يقدّم الأولاد كفئة بين فئات كثيرة تتمتّع بالملكوت، وإنما هي الفئة الوحيدة التي يلتزم الكل أن يدخل إليها لينعم بالملكوت، فالملكوت إنّما هو ملكوت البسطاء! إذن لنرجع ونصر مثلهم، نحيا ببساطتهم فنكون بحق أبناء الملكوت.
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هذه هي حدود الحكمة الحقيقيّة: أن تكون بسيطًا بفهم. هذه هي الحياة الملائكيّة، نعم لأن نفس الطفل الصغير نقيّة من كل الشهوات.]
لنقف قليلاً عند حديث السيِّد مع تلاميذه بخصوص الأولاد: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات"، ففي هذا الحديث نكتشف أمرين:
أولاً: ليس هناك طريق وُسطى، إمّا ندعو الأولاد للتمتّع بالسيِّد المسيح، أو نقف أمامهم عثرة فنمنعهم. إمّا نعمل لحساب الملكوت، فنجمع أبناء الملكوت، أو لحساب مملكة الظلمة، فنعوق الآخرين عن الحياة مع الله. هذا هو ما أعلنه السيِّد بقوله: "من لا يجمع معي فهو يفرّق".
ثانيًا: إن عملنا لحساب الملكوت، فندعو الأولاد، يتحقّق هذا بإقتدائنا بالأولاد. لنحمل فينا روح البساطة كأولاد لله البسيط، حتى نقدر أن نلتقي بالأولاد فنحملهم بالحب إلى السيِّد المسيح محب البشر!
4. الملكوت والغِنى
يروي الإنجيلي عن لقاء بين السيِّد المسيح وشاب غني:
"وإذا واحد تقدّم وقال له:
أيها المعلّم الصالح،
أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبديّة؟" [16].
جاء هذا الشاب وكأنه يمثّل الأغنياء، وجاءت إجابة السيِّد تكشف عن إمكانيّة دخول الأغنياء الملكوت خلال الباب الضيق. ولكن قبل أن يجيبه على سؤاله قال له: "لماذا تدعوني صالحًا؟! ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله" [17].إنه لم يقل "لا تدعوني صالحًا"، إنّما رفض أن يدعوه هكذا كمجرد لقب، ما لم يؤمن بحق أنه الصالح وحده. فقد اِعتاد اليهود على دعوة رجال الدين بألقابٍ لا تليق إلا بالله وحده، وقد أراد السيِّد تحذيرهم بطريقة غير مباشرة. وكأنه السيِّد يقول له: إن آمنت بي أنا الله فلتقبلني هكذا وإلا فلا. هذا وقد أكّد السيِّد نفسه أنه صالح، فيقول: "أنا هو الراعي الصالح" (يو 10: 11)، كما يقول: "من منكم يبكِّتني على خطيّة؟" (يو 8: 46)
لقد عُرف الأغنياء بالمظاهر الخارجيّة وحب الكرامات، وكأن السيِّد المسيح بإجابته هذه أراد أن يوجِّه الأغنياء إلى تنقية قلوبهم من محبّة الغنى بطريق غير مباشر، مع رفض محبّة الكرامات والألقاب المبالغ فيها.
لقد أظهر هذا الشاب شوقه للحياة، لذلك قدّم له السيِّد إجابة عن اشتياقه، وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [الذين ينحنون أمامه بعنق عقولهم للطاعة يهبهم وصايا ويعطيهم نواميس. ويوزِّع عليهم الميراث السماوي، ويقدّم لهم البركات الروحيّة، فيكون بالنسبة لهم مخزنًا لعطايا لا تسقط.]
لقد أجابه السيِّد: "إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا" [17].وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [إن كنت لا تريد أن تحفظ الوصايا، فلماذا تبحث عن الحياة؟ إن كنت تتباطأ في العمل، فلماذا تُسرع نحو الجزاء؟]
دخل السيِّد مع الشاب في حوار حول حفظ الوصايا، حتى يكشف له نقطة ضعفه، ألا وهي محبّة المال. وجاءت النصيحة: "إن أردت أن تكون كاملاً، فاذهب وبع أملاكك، وأِعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني" [21].
يقول القدّيس جيروم: [هذه هي ذروة الفضيلة الكاملة الرسوليّة أن يبيع الإنسان كل ما يملك ويوزِّعه على الفقراء (لو 18: 22)، متحرّرًا من كل عائق ليعبر إلى الممالك السماويّة مع المسيحٍٍٍ.] [خادم المسيح الكامل ليس له شيء بجانب المسيح.] [ترْجِم كلماته إلى عمل، فإنك إذ تتعرى تتبع الصليب حيث العرس، وتصعد سلّم يعقوب الذي يسهل صعوده لمن لا يحمل شيئًا.] كما يقول: [يَََعد الشيطان بمملكة وغنى ليُحطم الحياة، أمّا الرب فيَعدْ بالفقر ليحفظ الحياة.]
يقول القدّيس كبريانوس: [إن كان الكنز في السماء، فيكون القلب والعقل والمشاعر في السماء، ولا يستطيع العالم أن يغلب الإنسان الذي ليس فيه شيء يمكن أن يُغلب. إنك تستطيع أن تتبع الرب حرًا بلا قيود كما فعل الرسول - وكثيرون في أيامهم، الذين تركوا مالهم وأقرباءهم والتصقوا بالمسيح برباطات لا تنفك.]
يقول القدّيس أغسطينوس: [إن كانت لديهم الإرادة أن يرفعوا قلوبهم إلى فوق، فليدّخروا ما يحبّونه هناك. فإنهم وإن كانوا على الأرض بالجسد فليسكنوا بقلبهم مع المسيح. لقد ذهب رأس الكنيسة أمامهم، ليت قلب المسيحي أيضًا يسبقه إلى هناك... فإن كل مسيحي يذهب في القيامة إلى حيث ذهب قلبه الآن. لنذهب إلى هناك بذاك العضو (القلب) الذي يمكنه الآن أن يذهب. فإن إنساننا بكلّيته سيتبع قلبه ويذهب إلى حيث ذهب القلب... لنرسل أمتعتنا مقدّمًا إلى حيث نستعد للرحيل.]
كثيرون نَفَّذوا هذه الوصيّة بطريقة حرفيّة، فمن أجل الدخول إلى الكمال باعوا كل شيء وأعطوا الفقراء، ليكون السيِّد المسيح نفسه كنزهم. لكن فيما هم يبيعون بطريقة حرفيّة باعوا ما في القلب فلم يعد للعالم مكان فيه. فالبيع الخارجي يلزم أن يرافقه بيع داخلي وشراء، أي بيع من القلب مع اقتناء للسيّد المسيح ليملأ القلب، الذي سبق فأسره حب الغنى واهتمامات بالحياة.
هذا ما أكّده الآب موسى، قائلاً: [إننا نرى بعضًا ممن زهدوا أمور هذا العالم، ليس فقط الذهب والفضة، بل والممتلكات الضخمة يتضايقون ويضطربون من أجل سكِّينة أو قلم أو دبُّوس أو ريشة، بينما لو وجَّهوا أنظارهم نحو نقاوة القلب بلا شك ما كانوا يضطربون من أجل الأمور التافهة، فكما لا يبالون بالغنى العظيم، يتركون أيضًا كل شيء.]
ويقدّم لنا الكتاب المقدّس أبانا إبراهيم مثالاً حيًا للغني الذي باع من قلبه من أجل الرب، مع أنه لم يعش كفقير. ففي الظهيرة كان يترقَّب مجيء غريب يشاركه الطعام، ويطلب من زوجته أن تهيئ الطعام بيديها ولا تتركه لجاريتها وخَدَمها. إنه يعيش كمن لا يملك شيئًا، فقد باع كل شيء، ليس في القلب موضع للغنى أو الهمّ. يظهر ذلك بوضوح في أكثر من موقف، فعندما حدثت مخاصمة بين رعاة مواشيه ورعاة مواشي لوط في محبّة سأل ابن أخيه أن يختار الأرض التي تروق له دون أن يضع قلبه على موضع معيّن، قائلاً له: "لا تكن مخاصَمة بيني وبينك، وبين رعاتي ورعاتك، لأننا نحن أخَوان. أليست كل الأرض أمامك، اعتزل عنّي، إن ذهبت شمالاً فأنا يمينًا وإن يمينًا فأنا شمالاً" (تك 13: 8-9). وعندما أُنقذ لوط والملوك الخمسة والنساء وكل ممتلكاتهم في كسرة كدرلعومر، إذ أراد أن يترك ملك سدوم لإبراهيم الممتلكات مكتفيًا بأخذ النفوس، أصرّ إبراهيم ألاّ يأخذ خيطًا ولا شِراك نعْل، ولا من كل ما هو له (تك14: 23).
إذ نعود إلى الشاب نراه غير قادرٍ على تنفيذ الوصيّة وقد مضى حزينًا لأنه كان ذا أموال كثيرة. هنا وجّه السيِّد حديثه لتلاميذه: "الحق أقول لكم أنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات. وأقول لكم أيضًا أن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله" [24].لم يقل السيِّد "أنه يستحيل"، وإنما "يعسُر"، ومع هذا فإنه إذ بُهت التلاميذ جدًا قائلين: "إذًا من يستطيع أن يخلُص؟" نظر إليهم يسوع ربّما نظرة عتاب مملوءة ترفُّقًا، وقال لهم: "هذا عند الناس غير مستطاع، ولكن عند الله كل شيء مستطاع" [26].إنه يعاتب تلاميذه الذين لم يُدركوا بعد أنه ليس شيء غير مستطاع لدي الله. حقًا إن الله قادر أن يعبُر بالجمل من ثقب إبرة، بتفريغ قلب الغَني من حب الغِنى وإلهاب قلبه بحب الكنز السماوي.
وللقدّيس جيروم تعليق جميل على ذلك، إذ يقول: [لكن ما هو مستحيل لدى البشر ممكن لدى الله" (مر 10: 27). هذا ما نتعلّمه من المشورة التي قدّمها الرسول لتيموثاوس: "أوْصِ الأغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا ولا يُلقوا رجاءهم على غير يقينيّة الغِنى، بل على الله الحيّ الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتّع، وأن يصنعوا صلاحًا، وأن يكونوا أغنياء في أعمال صالحة، وأن يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع، مدّخرين لأنفسهم أساسًا حسنًا للمستقبل لكي يمسكوا بالحياة الحقيقيّة (الأبديّة)" (1 تي 6: 17-19). ها نحن نتعلّم كيف يمكن للجمل أن يعبُر من ثقب إبرة، وكيف أن حيوانًا بسنام على ظهره إذ يُلقي عنه أحماله يمكن أن يصير له جناحيّ حمامة (مز 55: 6)، يستريح في أغصان الشجرة التي نمت من حبّة الخردل (مت 13: 31-32). وفي إشعياء نسمع عن الجِمال بكران مديان وعيفة كلها تأتي من شبا تحمل ذهبًا ولبانًا لمدينة الرب (إش 60: 6). على هذه الجِمال الرمزيّة أحضر التجَّار الإسماعيليّون (تك 37: 25) روائح وبخور وبلْسم الذي ينمو في جلعاد لشفاء الجروح (إر 8: 22) ولسعادتهم اشتروا يوسف وباعوه، فكان مخلّص العالم هو تجارتهم.]
يحذّر القدّيس أغسطينوس الفقراء لئلا يتّكلوا على فقرهم في ذاته كجواز لهم بالدخول إلى الملكوت، قائلاً: [ِاستمعوا أيها الفقراء إلى المسيح... من كان منكم يفتخر بفقره ليَحْذر من الكبرياء لئلا يسبقه الغَني بتواضعه. اِحذروا من عدم الشفقة لئلا يفوق عليكم الأغنياء بورعهم. اِحذروا من السُكر لئلا يفوق عليكم الأغنياء بوقارهم. إن كان ينبغي عليهم ألا يفتخروا بغناهم، فلا تفتخروا أنتم بفقركم.] وفي نفس المقال يحذِّر أيضًا الأغنياء قائلاً: [الكبرياء هو الحشرة الأولى للغِنى، إنه العُثْ المُفسد الذي يتعرّض للكل ويجعله ترابًا.] مرّة أخرى يحدّث الاثنين معًا فيقول: [أيها الأغنياء اُتركوا أموالكم، أيها الفقراء كُفُّوا عن السلب! أيها الأغنياء وزّعوا إيراداتكم، أيها الفقراء لجِّموا شهواتكم. استمعوا أيها الفقراء إلى الرسول نفسه: "وأمّا التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة" (1 تي 6:6)... ليس لكم منزلاً مشتركًا مع الأغنياء، لكن تشاركونهم في السماء وفي النور. اطلبوا القناعة والكفاف ولا ترغبوا فيما هو أكثر.]
5. الملكوت والرعاة
ختم الإنجيلي هذا الأصحاح بالرعاة بعد أن عرض بطريقٍ أو آخر المدعوّين للملكوت من متزوّجين وبتوليّين وأطفال وأغنياء. لقد قال بطرس: "ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فماذا يكون لنا؟"
لماذا ترك الحديث عن التلاميذ أو الرعاة كمدعوّين للملكوت حتى النهاية؟
أولاً: لأن الراعي الحكيم وهو يقود شعب الله بالروح القدس في مراعي الملكوت يبقى وراء القطيع، يحتل آخر الصفوف، فيطمئن على كل شخص أنه لم ينحرف عن الطريق الملوكي. إنه ينتظر حتى النهاية لكي يحمل على منكبيْه كل ضعيف قد تخلَّف عن موكب إخوته الأقوياء. هكذا يمتثل الراعي بمسيحه الراعي الصالح الذي احتلّ آخر الصفوف ليحتضن كل بشر ويحملهم إلى حضن أبيه.
ثانيًا: ربّما أراد الوحي أن يؤكّد للرعاة أن يهتمّوا بخلاص أنفسهم أثناء رعايتهم للآخرين. فالراعي أكثر عرضة لضربات العدوّ من الشعب، يلزمه أن يجاهد مهتمًّا بأبديته. أمّا علامة اهتمامه بخلاص نفسه فهي تركه كل شيء، قائلاً مع الرسول بطرس: "ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك" [27].
ويُعلّق الأنبا بفنوتيوس على هذه العبارة الرسوليّة، قائلاً: [لم يتركوا شيئًا سوى الشِباك البالية، لذلك فإن عبارة "تركنا كل شيء" يُفهم منها ترك الخطايا التي هي بالحقيقة أهم وأخطر... فإن ترك التلاميذ لممتلكاتهم الأرضيّة المنظورة تركًا تمامًا ليس سببًا كافيًا لينعموا بالمحبّة الرسوليّة، ويتسلّقوا بشوق واجتهاد المرحلة الثالثة التي هي شاهقة وتخص قليلين.]
يقول القدّيس جيروم: [خادم المسيح الكامل لا يطلب شيئًا بجانب المسيح وإلاَّ فهو ليس بكامل.]
سأل القدّيس بطرس السيِّد المسيح: ماذا يكون لنا؟
أجاب: "الحق أقول لكم إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد، متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده، تجلسون أنتم أيضًا على إثني عشر كرسيًا، تدينون أسباط إسرائيل الإثني عشر. وكل من ترك بيوتًا أو اِخوة أو أخوات أو أبًا أو أمّا أو امرأة أولادًا أو حقولاً من أجل اسمي، يأخذ مائة ضعف، ويرث الحياة الأبديّة. ولكن كثيرون أوَّلون يكونون آخرين، وآخرون أوَّلين" [28-30].
سيقف التلاميذ في يوم الرب العظيم كديّانين للأسباط الإثني عشر، لأن ما كان ينبغي لهؤلاء أن يفعلوه، أي الكرازة بالمسيّا الملك قد تخلّوا عنه ليقوم التلاميذ البسطاء به، تاركين كل شيء من أجل الملكوت.
هذه المكافأة الأبديّة يرافقها مكافأة في هذا العالم "مائة ضعف". يُعلّق الآب ثيوناس على ذلك، قائلاً: [بالأحرى إن جزاء المكافأة التي وعد بها الرب هو مائة ضعف في العالم لمن كان زهدهم كاملاً.... ويتحقّق هذا بحقٍ وصدقٍ. لا يضطرب إيماننا، لأن كثيرين استغلّوا هذا النص كفرصة لبلبلة الأفهام، قائلين بأن هذه الأمور (مائة ضعف) تتحقّق جسديًا في الألف سنة... لكن الأمر المعقول جدًا، والواضح وضوحًا تامًا أن من يتبع المسيح تخِِفْ عنه الآلام العالميّة والملذّات الأرضيّة، متقبِّلاً اخوة وشركاء له في الحياة، يرتبط بهم رباطًا روحيًا، فيقتني حتى في هذه الحياة حبًا أفضل، في هذه الحياة مئة مرّة عن (الحب المتأسِّس على الرباط الدموي)...]
لتوضيح ذلك تقول بأن الله يهب المؤمن في هذه الحياة مائة ضعف مقابل ما تركه من أجل المسيح، بجانب الحياة الأبديّة. فالراهب الذي يرفض الزواج يُحرَم من وجود زوجة وأولاد له، فإذا به في حياته الرهبانيّة يتقبّل سلامًا فائقًا، ولذّة روحيّة خلال اتّحاده مع عريس نفسه تفوق كل راحة يقتنيها زوج خلال علاقته الأسريّة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:40 pm

الراهب الذي يترك بيته بقلبٍ محبٍ بحق يجد البرّيّة كلها بيته، وكما نعلم عن راهب معاصر جاء من أثيوبيا بعد أن باع كل شيء من أجل المسيح، فردّ له الله عطاياه مضاعفة، إذ صارت تستأنِس له الوحوش المفترسة والضارة، فيعيش في البرّيّة في طمأنينة أكثر أمانًا ممن يعيشون في القصور. إنه يملك في قلبه مئات الأضعاف ممّا يملكه الأغنياء وعلى مستوى أعظم!
يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [هل يصير الإنسان زوجًا لزوجات كثيرات أو يجد على الأرض آباء كثيرين عِوض الآب الواحد، وهكذا بالنسبة للقرابات الأرضيّة؟! لسنا نقول هذا، إنّما بالأحرى إذ نترك الجسديّات والزمنيّات نتقبّل ما هو أعظم، أقول نتقبّل أضعافًا مضاعفة لأمور كنّا نهملها... إن ترك بيتًا يتقبّل المواضع التي هي فوق، وإن ترك أبًا يقتني الآب السماوي. إن ترك اخوته يجد المسيح يضمُّه إليه في أخوة له. إن ترك زوجة يجد له بيت الحكمة النازل من فوق من عند الله، إذ كتب: "قل للحكمة أنتِ أختي واِدع الفهم ذا قرابة" (أم 7: 4). فبالحكمة تجلب ثمارًا روحيّة جميلة، بها تكون شريكًا في رجاء القدّيسين، وتُضَمْ إلى صحبة الملائكة. وإذ تترك أُمّك تجد أمًّا لا تقارن، أكثر سمُوًّا "أورشليم العُليا التي هي أمّنا (جميعًا) فهي حُرَّة" (غل 4: 26)... فإن من يُحسب مستحقًا لنوال هذه الأمور يُحسب وهو في العالم سامٍٍ وموضع إعجاب، إذ يكون مزيَّنًا بمجد من قبل الله والناموس.]
1 و لما اكمل يسوع هذا الكلام انتقل من الجليل و جاء الى تخوم اليهودية من عبر الاردن
2 و تبعته جموع كثيرة فشفاهم هناك
3 و جاء اليه الفريسيون ليجربوه قائلين له هل يحل للرجل ان يطلق امراته لكل سبب
4 فاجاب و قال لهم اما قراتم ان الذي خلق من البدء خلقهما ذكرا و انثى
5 و قال من اجل هذا يترك الرجل اباه و امه و يلتصق بامراته و يكون الاثنان جسدا واحدا
6 اذا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد فالذي جمعه الله لا يفرقه انسان
7 قالوا له فلماذا اوصى موسى ان يعطى كتاب طلاق فتطلق
8 قال لهم ان موسى من اجل قساوة قلوبكم اذن لكم ان تطلقوا نساءكم و لكن من البدء لم يكن هكذا
9 و اقول لكم ان من طلق امراته الا بسبب الزنا و تزوج باخرى يزني و الذي يتزوج بمطلقة يزني
10 قال له تلاميذه ان كان هكذا امر الرجل مع المراة فلا يوافق ان يتزوج
11 فقال لهم ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين اعطي لهم
12 لانه يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون امهاتهم و يوجد خصيان خصاهم الناس و يوجد خصيان خصوا انفسهم لاجل ملكوت السماوات من استطاع ان يقبل فليقبل
13 حينئذ قدم اليه اولاد لكي يضع يديه عليهم و يصلي فانتهرهم التلاميذ
14 اما يسوع فقال دعوا الاولاد ياتون الي و لا تمنعوهم لان لمثل هؤلاء ملكوت السماوات
15 فوضع يديه عليهم و مضى من هناك
16 و اذا واحد تقدم و قال له ايها المعلم الصالح اي صلاح اعمل لتكون لي الحياة الابدية
17 فقال له لماذا تدعوني صالحا ليس احد صالحا الا واحد و هو الله و لكن ان اردت ان تدخل الحياة فاحفظ الوصايا
18 قال له اية الوصايا فقال يسوع لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد بالزور
19 اكرم اباك و امك و احب قريبك كنفسك
20 قال له الشاب هذه كلها حفظتها منذ حداثتي فماذا يعوزني بعد
21 قال له يسوع ان اردت ان تكون كاملا فاذهب و بع املاكك و اعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء و تعال اتبعني
22 فلما سمع الشاب الكلمة مضى حزينا لانه كان ذا اموال كثيرة
23 فقال يسوع لتلاميذه الحق اقول لكم انه يعسر ان يدخل غني الى ملكوت السماوات
24 و اقول لكم ايضا ان مرور جمل من ثقب ابرة ايسر من ان يدخل غني الى ملكوت الله
25 فلما سمع تلاميذه بهتوا جدا قائلين اذا من يستطيع ان يخلص
26 فنظر اليهم يسوع و قال لهم هذا عند الناس غير مستطاع و لكن عند الله كل شيء مستطاع
27 فاجاب بطرس حينئذ و قال له ها نحن قد تركنا كل شيء و تبعناك فماذا يكون لنا
28 فقال لهم يسوع الحق اقول لكم انكم انتم الذين تبعتموني في التجديد متى جلس ابن الانسان على كرسي مجده تجلسون انتم ايضا على اثني عشر كرسيا تدينون اسباط اسرائيل الاثني عشر
29 و كل من ترك بيوتا او اخوة او اخوات او ابا او اما او امراة او اولادا او حقولا من اجل اسمي ياخذ مئة ضعف و يرث الحياة الابدية
30 و لكن كثيرون اولون يكونون اخرين و اخرون اولين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:41 pm

الأصحاح العشرون
مستحقُّو الملكوت
بعد أن تحدّث عن مدعُوِّي الملكوت قدّم لنا الإنجيلي مفهومًا جديدًا للاستحقاق للملكوت المسيحاني:
1. مثَل العاملين لحساب الملكوت 1-16.
2. الملكوت والصليب 17-19.
3. الملكوت وأم ابنيّ زبدي 20-28.
4. الملكوت والاستنارة 29-33.
1. مثَل العاملين لحساب الملكوت:
يشبّه السيِّد ملكوت السماوات برجلٍ رب بيت خرج يستأجر فعَلَة لكرمه، فاتِّفق معهم في الصباح على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه، وخرج أيضًا في نحو الساعة الثالثة ليستأجر آخرين قيامًا في السوق كبطّالين وأرسلهم إلى كرمه، وهكذا في نحو الساعة السادسة والساعة التاسعة فعل ذلك، وتكرّر الأمر نحو الساعة الحادية عشر حيث سأل الواقفين كل النهار بطّالين عن وقوفهم هناك، فأجابوا: "لأنه لم يستأجرنا أحد". وفي المساء استدعى رب البيت وكلائه ليعطيهم الأجرة، مبتدئًا من الآخرين إلى الأوّلين. وإذ أعطى فعَلَة الساعة الحادية عشر دينارًا دينارًا، وجاء دور الأوّلين ظنّوا أنهم يأخذون أكثر فأخذوا هم أيضًا دينارًا دينارًا. وفيما هم يأخذون تذمّروا على رب البيت.
ويلاحظ في هذا المثل الآتي:
أولاً: يقول السيِّد: "فإن ملكوت السماوات يشبِه رجلاً رب بيت خرج مع الصبح ليستأجر فعَلَة لكرْمه" [1].من هو هذا الرجل رب البيت الذي يستأجر الفعلة إلا "كلمة الله الحيّ" الذي هو رب السماء والأرض، يرى في خليقته السماويّة والأرضيّة بيته الذي يدبّر أموره ويهتمّ به؟! أمّا كرْمه فهو القلب الذي فيه يُقيم مملكته، كقوله "ملكوت الله في داخلكم". إنه يزرع برّه فينا بروحه القدّوس مُعلنًا ذاته في داخلنا. ملكوته هو تجلّيه فينا!
ثانيًا: ما أجمل تعبير السيِّد عن ملكوت السماوات وهو يشبهه برجلٍ رب بيت يخرج من ساعة إلى ساعة عبر النهار كلّه يستأجر فعَلَة من السوق ليعملوا في كرمه. إنه يخرج في الساعات الخمس حسب الترتيب اليهودي باكر والثالثة والسادسة والتاسعة والحادية عشر للعمل طوال اليوم خلال الفَعََلة في كرْمه.
ما هي هذه الساعات إلاّ مراحل حياة الإنسان عِبر كل حياته، فباكر تُشير إلى الطفولة، والثالثة إلى الصبوّة، والسادسة حيث وقت الظهيرة تُشير إلى الشباب، والتاسعة تُشير إلى الرجولة، والحادية عشر إلى الشيخوخة، أي إلى الساعة الأخيرة من حياتنا. هكذا يدعونا الله للعمل منذ طفولتنا المبكّرة مشتاقًا أن يكون كل العمر مكرسًا لحساب ملكوته ويبقى يدعونا فاتحًا ذراعية بالحب لنا حتى اللحظات الأخيرة من عمرنا فإنه لا ييأس قط منّا، مشتاقًا أن نستجيب لدعوته، ونعمل لحسابه. إن الكرم مفتوح لنا والصوت الإلهي لا يتوقّف مادام الوقت يُدعى اليوم، ومازلنا نحمل نفسًا ولو كان الأخير! لهذا يقول الرسول بولس: "عظوا أنفسكم كل يوم مادام الوقت يُدعى اليوم لكي لا يُقسَّى أحد منكم بغرور الخطيّة" (عب 3: 13).
هكذا يخرج السيِّد إلينا ليدعونا للعمل، مشرقًا علينا بنوره ليجعل يومنا كلّه نهارًا بلا ليل، فنعمل بلا توقف، إذ يقول: "ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني مادام نهار، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل. مادمتُ في العالم، فأنا نور العالم" (يو 9: 4، 5). إنه يخرج إلينا ليدعونا لا بالكلام وإنما بالعمل، إذ يعمل فينا أعمال أبيه ليجتذبنا إليه مادام الوقت نهار، ونوره مشرق فينا، لئلاّ نوجد مُصِرّين على عدم قبوله، فنختم حياتنا بليْلٍ قاتمٍ حيث لا يقدر أحد أن يعمل.
إن كان الله قد وعد الكل بالدينار، هذا لا يعني أن يؤجِّل الإنسان توبته وطاعته للعمل في كرم الرب، وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [هل أولئك الذين استأجرهم في كرْمه، عندما جاءهم صاحب الكرم في الساعة الثالثة كمثال قالوا له... انتظر إننا لا نذهب حتى الساعة السادسة؟ أو أولئك الذين وجدهم في الساعة السادسة، هل قالوا: إننا لسنا ذاهبين إلاّ في الساعة التاسعة؟... إذ نعطي الكل بالتساوي، لماذا نذهب ونُتعب أنفسنا أكثر ما يلزم؟... فإنه ما كان يعطيهم لو لم يذهبوا... بل يجاوبهم: ألا تريدون أن تعملوا الآن يا من لا تعرفون إن كنتم ستعيشون حتى تكبروا في السن أم لا؟ لقد دُعيتَ في الساعة السادسة، تعال، حقًا إن صاحب الكرم يعدك بدينار، إن أتيت في الساعة الحادية عشر، لكنّه لم يعدك أنك تعيش حتى الساعة السابعة؛ لا أقول الحادية عشرة بل ولا السابعة. إذن لا تؤجّل، فإن الذي دعاك يؤكّد لك المكافأة، لكن الأيام غير مؤكدة.]
ويقول القدّيس أغسطينوس أيضًا: [إن السيِّد في هذا المثل قد فتح الباب للجميع، فلا ييأس أحد، إنه يكرّر الدعوة قابلاً الجميع، لكن لنبدأ أيضًا لئلا نتحطّم بالرجاء الفاسد خلال التأجيل، إذ يقول: لا تؤجل، لا تغلق أمامك الباب المفتوح الآن. هوذا واهب المغفرة فاتح الباب أمامك، فلماذا تؤجِّل؟ لتبتهج، فإن الباب مفتوح وأنت لم تقرع، لكن هل يبقى مفتوحًا إلى الأبد بالنسبة للذين سيقرعون ويبقون خارجًا؟... إنك لا تعلم ما سيحدث غدًا.]
ثالثًا: دعوة السيِّد لنا للعمل في كرمه ليست فقط دعوة عمليّة ومستمرّة عبر كل حياة الإنسان من طفولته حتى شيخوخته، وإنما هي أيضًا دعوة للإنسانيّة عِبر التاريخ كلّه من مهدِه حتى نهايته على الأرض. يقول الأب غريغوريوس (الكبير): [لا يوجد زمن توقّف فيه الرب عن إرسال فعَلَة للعمل في كرْمه، أي تعليم شعبه.]
الله ينزل إلينا عبر التاريخ كله، من عصر إلى عصر، ومن جيل إلى جيل، وكأنّه من ساعة إلى أخرى، يطلب فعَلَة يستأجرهم من السوق، لكي يدخل بهم إلى كرْمه الإلهي، ليهبهم المكافأة الأبديّة عند مساء حياتنا الزمنيّة.
لقد نزل إلينا في الصباح الباكر للبشريّة عندما بدأ التاريخ الإنساني بخليقته آدم، الذي أقامه ليعمل في الجنّة، وكان يأمل فيه أن يحمل على الدوام صورته ومثاله، يسيطر على حيوانات البرّيّة وطيور السماء وأسماك البحر (تك 1: 28)، لكنّ سرعان ما خرج هزيلاً يحني ظهره للعصيان، فقد سلطانه على أفكاره وأحاسيسه وعواطفه وكل جسده! ولم يتركه الرب هزيلاً مختفيًا وراء أوراق التين التي تجف فتفضحه، بل قدّم له الثوب الجلدي ليستر جسده، ويقدّمه له خلال الوعد بذبيحته المقدّسة لستر حياته الداخليّة.
ونحو الساعة الثالثة عندما بدأ تاريخ البشريّة من جديد، وذلك خلال فلك نوح ومعموديّته بالطوفان الإلهي، نزل الرب يطلب له فعَلَة يعملون في كرمه، مقيمًا ميثاقًا مع نوح ومع نسله من بعده (تك 9: 8).
ونحو الساعة السادسة، إذ بدأت البشريّة المؤمنة تاريخًا جديدًا خلال أب المؤمنين إبراهيم، نزل إليها الرب ليقطع عهدًا معها في شخص إبراهيم ليجعله أبًا لجمهور من الأمم (تك17 : 4-8)، ووضع له علامة العهد في جسد كل ذكر من نسله خلال الختان، فظهر فعَلَة جبابرة من الآباء مثل اسحق ويعقوب.
وفي نحو الساعة التاسعة أيضًا عندما تسلّمت البشريّة المؤمنة الناموس المكتوب بإصبع الله على جبل سيناء على يدي موسى، طلب الله فعَلَة له، هم أنبياء العهد القديم الذين يعملون لحساب ملكوته.
أخيرًا في وقت الساعة الحادية عشرة، أي الساعة الأخيرة (1 يو 1: 28)، في ملء الزمان نزل الرب متجسّدًا لكي يجمعنا نحن الذين كنّا بطّالين طول النهار، ضمّنا من الأمم التي لم تكن تعرف الله كل أيامها، كما من السوق لم يستأجرها أحد من قبل، ودخل بنا إلى كرْمه الإلهي لنعمل بروحه القدّوس لحساب ملكوته السماوي.
هذه هي الساعات الخمس لنهار البشريّة كلها الزمني، وقد جاءت بنا أواخر الدهور لننتظر مجيئه الأخير، ونقبل المكافأة من يديه مع كل أحبّائنا الفعَلَة الذين سبقونا في العمل.
v يا لهذه النعمة العظيمة التي لا توصف! إبراهيم المؤمن لم يدخل بعد الفردوس... أمّا اللص فدخله. وموسى لم يدخل، أمّا هذا اللص فدخله بالرغم من مخالفته الناموس.
وهذا ما يقوله القدّيس بولس الرسول مندهشًا: "حيث كثرت الخطيّة ازدادت النعمة جدًا"(رو 5: 20). إن هؤلاء الذين احتملوا ثقل النهار وحده لم يدخلوا بعد، أمّا صاحب الساعة الحادية عشرة فدخل. فلا يتذمّر أحد على رب البيت لأنه سوف يقول له: يا صاحب ما ظلمتَك؛ أو ما يحلّ لي أن أفعل ما أريد بمالي؟
القدّيس كيرلّس الأورشليمي
رابعًا: وللعلامة أوريجينوس تفسير رمزي لهذه الساعات الخمس، فإنها وإن كانت تُشير إلى الحقبات الخمس السابقة (آدم، نوح، إبراهيم، موسى، السيِّد المسيح)، لكنها تمثّل دعوة الله لنا خلال الحواس الخمس لكي ما يدخل إلى قلبنا ويقيم مملكته فينا.
فالمرحلة الأولى التي تبدأ بآدم تمثل دعوة الله لنا خلال حاسة اللمس، فقد قالت حواء للحيّة "قال الله لا تأكلا منه ولا تمسّاه لئلا تموتا" (تك3: 3). فإن كان الله قد أوصاهما ألا يمسَّا ثمرة الشجرة حتى لا يتعرّضا للسقوط، فبالروح القدس يستخدم الله اللمس كطريق لأكل ثمرة شجرة الحياة والتمتّع بالملكوت الداخلي. لقد لمست المرأة نازفة الدم هُدْب ثوب المسيح، فتمتّعت بقوة خرجت منه، إذ يقول السيِّد: "قد لمسني واحد لأني علمت أن قوّة قد خرجت منّي" (لو 8: 46). إن كانت حواء قد فقدت الملكوت باللمس، فإن الأمم في شخص نازفة الدم تمتّعت بالملكوت خلال اللمس!
والمرحلة الثانية التي تبدأ بنوح ترمز للتمتّع بملكوت السماوات خلال تقديس حاسة الشمّ. فإنه إذ قدّم نوح ذبيحة شكر لله بعد تجديد الخليقة بالطوفان "تنسَّم الرب رائحة الرضا" (تك 8: 21)... هكذا يتنسَّم الله رائحة الرضا خلال ذبيحة المسيح عنّا، ونحن أيضًا نتنسَّم خلاله رائحة محبّته الفائقة، فننجذب إليه، ونتَّحد معه في الابن الوحيد الجنس.
والمرحلة الثالثة التي تبدأ بأب الآباء إبراهيم، هذا الذي أضافَ الله وملاكين على مائدته فصار رمزًا لتقديس حاسة التذوّق.
والمرحلة الرابعة التي يشار إليها بموسى النبي الذي ارتفع على جبل سيناء ليسمع صوتًا يدوي في الأعالي عند استلامه الناموس صار رمزًا لتقديس حاسة السمع.
والمرحلة الأخيرة يُشار إليها بمجيء ابن الله متجسّدًا، فرأيناه بعيوننا (1 يو 1: 1) فتقدّست حاسة النظر.
هكذا ملكوت الله الداخلي وهو يفوق الحواس، إنّما ينطلق فينا لنعمل لحسابه خلال تقديس حواسنا بالروح القدس.
خامسًا: في هذا المثل يضم السيِّد فعَلَة الساعة السادسة مع فعَلَة الساعة التاسعة إذ يقول: "وخرج أيضًا نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل كذلك" [5]،لأن فعَلَة هاتين الساعتين يمثّلان دعوة الشعب اليهودي للعمل، السادسة تمثل عهد الآباء يبدأ بإبراهيم فاسحق ثم يعقوب والتاسعة تمثل عهد الأنبياء يبدأ بموسى حتى ما قبل مجيء السيِّد المسيح. لكن الدعوة لم تكن في كل مراحلها هكذا، ففي المرحلة الأولى دُعيت البشريّة كلها للعمل في شخص آدم، والثانية أيضًا في شخص نوح، والأخيرة انطلقت الكرازة للأمم خلال كنيسة العهد الجديد. إن كان في الساعتين السادسة والتاسعة قدّم عهوده ووعوده ونبوّاته وناموسه خلال الآباء والأنبياء للشعب اليهودي، فقد حانت الساعة الأخيرة ليجد في السوق "آخرين قيامًا بطّالين" [6]،يسألهم: لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطّالين؟! إنهم جماعة الأمم الذين عاشوا كل نهارهم في حالة بِطالة لا عمل روحي لهم، أضاعوا كل عمرهم في العبادات الوثنيّة الباطلة، فصاروا بطّالين كآلهتهم. لكنهم في تواضعٍ وانكسار قلبٍ قبلوا دعوة السيِّد المسيح، معترفين بحالهم: "لأنه لم يستأجرنا أحد" [7]. كانوا في شوقٍ للدعوة والعمل، فوجدوا في الصليب دعوتهم، وفي الروح القدس قوّة للعمل!
سادسًا: يكرّر السيِّد في هذا المثل كلمة "خرج" [ع 3، 5-6]؛ وقد كرّر معلّمنا متّى هذه الكلمة كثيرًا حينما تحدّث عن عمل الله مع البشريّة. وكأنه أراد أن يؤكّد لنا حقيقة هامة، وهي أن الله في حبّه للبشريّة لم ينتظرها ترتفع إليه، إذ تعجز عن فعل هذا، ولا طلب مبادرتها بالاعتذار عن خطئها، وإنما دائمًا وأبدًا هو الذي يبدأ بالخروج إليها بطريقة أو أخرى. خرج إليها في كل ساعة من ساعات النهار، وكأن لا عمل له غير خلاص الإنسان ومصالحته. إنه خرج إلينا بأعمال محبّته خلال خلقته كل شيء لأجلنا، وخرج إلينا بتقديمه ناموسه الإلهي، وخرج إلينا بإرساله الأنبياء وأخيرًا جاء إلينا بنفسه. خرج إلينا خلال تخلِّيه عن أمجاده، وخرج إلينا إلى الجلجثّة ليلتقي بنا على الصليب فيحملنا إليه خارج المحلّة.
سابعًا: الدينار الذي قدّمه السيِّد المسيح للعاملين في كرمه - في رأي العلاّمة أوريجينوس - هو الخلاص. فقد وهب لأصحاب الساعة الحادية عشرة نعمة الخلاص، الأمر الذي تمتّع به أيضًا السابقون.
ويرى القدّيس أغسطينوس أن الدينار الذي يوهب للفعَلَة إنّما هو الحياة الأبديّة، قائلاً: [في هذا الأجر نتساوى جميعًا، يكون الأول كالآخر، والآخر كالأول، لأن ذلك الدينار هو الحياة الأبديّة، وفي الحياة الأبديّة الكل متساوون. بالرغم من اِختلاف ما يبلغ إليه القدّيسون فيضيء البعض أكثر والآخر أقل، إلاّ أن عطيّة الحياة الأبديّة متساوية للجميع، فلا تكون طويلة لواحد وقصيرة لآخر هذه التي هي أبديّة للجميع بلا نهاية.]
ويرى القدّيس جيروم: "الدينار" يحمل صورة الملك، لذلك إذ تذمر الأوّلون وهم يتسلّمون المكافأة كان يوبّخهم، [إذ تتسلّمون المكافأة التي وعدت بها أي صورتي ومثالي، فماذا تطلبون بعد؟!] أخيرًا يمكننا القول أن المكافأة هي التمتّع بالسيِّد نفسه فينا!
لكن هل الذي ينال المكافأة أي الخلاص أو الامتثال بالسيِّد المسيح نفسه خلال التمتّع به داخلنا يتذمر؟ إن ما قاله السيِّد مجرّد مثال ليكشف جوانب معيّنة أو فكرة معيّنة. فما عناه السيِّد هو نزع أنانيّة اليهود الذي يظنّون أن الخلاص لهم وحدهم والمسيّا قادم لهم دون غيرهم، فلو أنهم علموا أن ما يتمتّعوا به لا يمكن أن ينالوا ما هو أكثر منه [10]، لما تذمروا على فتح باب الخلاص للأمم وتقديم المسيّا حياته للجميع. لكن في المساء لا يوجد حسد ولا غيرة بل هي "ملكوت الحب".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:42 pm

ثامنًا: كان السيِّد رقيقًا للغاية في عتابه بالرغم من الكلمات الجارحة التي سمعها من المتذمرين الذين قالوا:" هؤلاء الآخرون عملوا ساعة واحدة، وقد ساويْتهم بنا نحن الذين احتملنا ثِقل النهار والحر" [12].فمن جهة دعوا إخوتهم "هؤلاء الآخرون" كمن يستنكفون منهم، أمّا السيِّد فيجيب أحدهم: "يا صاحب"، وكأنه يتحدّث معه كصديق مع صديقه يتحاجج معه، وليس كرّبٍ يأمر عبده؛ ومن جانب آخر يتذمَّرون أنهم احتملوا ثقل النهار وحرّه مع أن أعمالهم باطلة إن قورنت بالمكافأة الأبديّة المعدّة لهم.
تاسعًا: سرّ التذمر هو الحسد، فقد أخذوا مالهم، ما اتفق به السيِّد معهم، لكن ما أحزنهم أن ينال اخوتهم مثلهم. لم يقم حزنهم على حرمانهم من شيء، وإنما من أجل الخير الذي ناله الغير. لهذا وبّخهم السيِّد: "يا صاحب ما ظلمتك، أمّا اتّفقت معي على دينار؟ فخذ الذي لك واذهب، فإني أريد أن أعطي الأخير مثلك، أو ما يحلّ لي أن أفعل ما أريد بمالي؟! أم عينك شرّيرة لأني أنا صالح؟! هكذا يكون الآخرون أوّلين والأوّلون آخرين" [13-15].
عاشرًا: يختم السيِّد المسيح حديثه: "هكذا يكون الآخرون أوّلين، والأوّلون آخرين، لأن كثيرين يُدعون، وقليلين يُنتخبون" [16].
الملكوت والصليب
إذ كان السيِّد يقترب إلى أورشليم ليقدّم نفسه حملاً للفصح كان يبرز مفهوم ملكوت السماوات والدعوة إليه والاستحقاق له. خلال أعماله الخلاصيّة من صلب وموت وقيامة. فإن لا ملكوت بغير الصليب، ولا حق لنا للتمتّع به والعمل لحسابه خارج دم السيِّد المسيح غافر الخطايا. لهذا بعدما عرض الإنجيلي المثل السابق الخاص بالمدعوّين للملكوت خلال كل التاريخ البشري من يهود وأمم قال: "وفيما كان يسوع صاعدًا إلى أورشليم أخذ الاثني عشر تلميذًا على انفراد في الطريق، وقال لهم. ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلَّم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت. ويسلّمونه إلى الأمم لكي يهزءوا به ويجلدوه ويصلبوه، وفي اليوم الثالث يقوم" [17-19].
لقد أخذ تلاميذه على انفراد ليحدّثهم عن الأسرار الخاصة بالملكوت التي لم يكن ممكنًا للجماهير اليهوديّة في ذلك الحين أن تتقبّلها، وحتى التلاميذ كانوا غير مدركين لها. ففي المظهر الخارجي تجتمع المدينة لاستقباله كملك، أمّا هو فعيناه تتطلّعان إلى الصليب بكونه طريق الملكوت الأوحد، وكأن السيِّد يُشير إليهم أنه قادم للصليب بإرادته، يعمل ما هو ذاهب إليه، وبهذا يشجّعهم أيضًا على حمل الصليب معه.
v سبق فأخبر تلاميذه عن آلامه حتى إذ يتيقّظون متوقّعين حدوثها يستعدّون لملاقاتها.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
v بهذا يتعلّمون أنه يعرف مقدّمًا آلامه العتيدة، وأنه كان يمكنه بسهولة أن يتجنّبها، لكنّه ذاهب ليلتقي بها بإرادته. لقد أخبرهم أن كل هذه الأمور التي سبق فأعلنها الأنبياء القدّيسون يدبّرها الله حتى لا يتعثّر أحد عندما تتحقّق.
القدّيس كيرلّس الكبير
v لأنه محب البشر فقد رحَّب بالموت الذي بدونه لهلك العالم في خطاياه.
القدّيس كيرلّس الأورشليمي
3. الملكوت وأم ابني زبدي
بينما كان السيِّد يتَّجه نحو أورشليم ليقدّم حياته فدية عن البشريّة، فيتأهَّل الجميع للتمتّع بالملكوت السماوي تقدّمت إليه أم ابنيّ زبدي، وقد أدركت كيف اهتزّت قلوب الكثيرين تطلب السيِّد المسيح ملكًا، فاشتاقت أن يجلس ابناها واحد عن يمينه والآخر عن يساره في الملكوت. كانت أم ابنيّ زبدي تمثل الفكر اليهودي، فتطلب لابنيها المُلك الزمني بطريقة ماديّة ملموسة، تحمل السلطة والعظمة، ولم تعلم أن الملكوت الخفي هو في الصليب الحامل لقوة القيامة.
هنا يوجِّه السيِّد حديثه نحو ابنيها ليكشف لهما طريق العظمة الحقيقيّة، قائلاً: "لستما تعلمان ما تطلبان؛ أتستطيعان أن تشربا الكأس التي سوف أشربها أنا؟! وأن تصطبغا بالصبغة التي اَصطبغ بها أنا؟! قالا له: نستطيع. فقال لهما: أمّا كأسي فتشربانها، وبالصبغة التي اَصطبغ بها أنا تصطبغان، وأما الجلوس عن يميني وعن يساري، فليس لي أن أُعطيه إلا للذين أُعِدّ لهم من أبي" [22-23].لقد وجَّه أفكارهما إلى كأس الصليب وصبغة الألم، يشربان كأسه ويُدفنان معه في معموديّته (صبغته) ليقوما معه. وإذ ظنَّا أنهما يستطيعان ذلك لم يحطِّم نفسيَّتِهما، وإنما وجَّهها إلى الآب الذي يُعد الإكليل لكل أحد. وكأنه أراد أن يقول لهما: وأنتما تظنّان أنكما قادران على شرب كأسي والدخول معي إلى معموديّة موتي، إنّما تحتاجان إلى قوّة من الأعالي لكي تستحقّا المجد الإلهي. إنكما ستشربان كأسي وتُدفنان معي، لكن هذا ليس عملكما الذاتي، إنّما هو عمل إلهي يوهَب لكما مجانًا.
يقول القدّيس أمبروسيوس: [يمكننا أن نفهم "ليس لي أن أعطيكم" بمعنى آخر وهو أنّني قد جئتُ لكي أعلِّم التواضع..، ما جئتُ لأُظهِر العدل بل لأقدّم حنوًا (أي أنه ليس وقت لتقديم الإكليل).]
ليتنا نتقدّم إلى حضرة ربّنا يسوع المسيح كأم ابنيّ زبدي، فيقدّم كل منّا روحه وجسده كابنين له، لا ليطلب لهما راحة زمنيّة أو كرامة باطلة مؤقّتة، وإنما لكي يدخل بهما روحه القدّوس إلى كأسه فيشربانها ويتمتّعا بالدفن معه، ويقوما حاملين سِمات المُقام من الأموات سرّ مجد لهما. عندئذ ينتظر الإنسان الإكليل الأبدي.
يُعلّق العلاّمة أوريجينوس على كلمات السيِّد لأم ابنيّ زبدي، قائلاً: [من يشرب الكأس التي شربها الرب يسوع سوف يجلس ويملك ويحكم إلى جانب ملك الملوك. هذا هو كأس الخلاص، من يأخذه يدعو باسم الرب. وكل من يدعو باسم الرب يخلُص (يؤ 2: 32، أع 2: 21، رو 10: 13).]
يشجّعنا القدّيس جيروم على الجهاد لننال مجدٍ أعظمٍ في الحياة الأبديّة خلال التواضع، قائلاً: [لو أننا جميعًا نكون متساوين في السماء فباطلاً نتّواضع هنا لنصير عظماء هناك.]
أخيرًا يرى القدّيس أمبروسيوس في تصرُّف هذه الأم جانبين، الأول أنها أخطأت في طلبها، أمّا الثاني فيغفر لها خطأها أنها بقلب الأم المملوء محبّة لم تفكر في نفسها بل في ابنيها.
لا طريق للمجد الأبدي خارج الصلب معه والدفن أيضًا. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هكذا يليق بنا أن نسلك في نفس الطريق حتى نشاركه المجد والكرامة... ما أمجد الآلام! بها نتشبّه بموته.] لكننا لا نقدر أن ندخل هذا الطريق بأنفسنا، لذا يؤكّد لنا السيِّد أنه اختارنا (يو 15: 16)، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [الفضل هنا هو لصاحب الدعوة، وما على المدعوّين إلاّ الطاعة .] كما يقول: [لا نقدر أن نجري في طريق الله إلاّ محمولين على أجنحة الروح.] [الذين يعاقبون فمن أجل العدالة، أمّا الذين يكلّلون فمن أجل النعمة. فلو أنهم مارسوا ألف عمل صالح إنّما يتمتّعون بالسماء والملكوت مقابل هذه الأعمال الصغيرة لأجل حرّية النعمة، فيرتفعون إلى ما لا يقاس.]
أما ما يستدر حنو الله فيوهب لنا بلا كيل فهو تواضعنا، إذ يقول الإنجيلي: "فلما سمع العشرة اغتاظوا من أجل الأخويْن. فدعاهم يسوع، وقال: أنتم تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم، والعظماء يتسلّطون عليهم، فلا يكون هذا فيكم. بل من أراد أن يكون فيكم عظيمًا، فليكن لكم خادمًا. ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبدًا. كما أن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" [24-28].
لم يكن سهلاً على التلاميذ حتى هذه اللحظات أن يتفهّموا سرّ الملكوت السماوي، لهذا اغتاظوا من أجل الأخويْن، وعِوض أن يفرحوا ويتهلّلوا بكل نفسٍ تلتقي مع الملك لكي تملك معه اغتاظوا. كان الملكوت حتى هذا الوقت سباقًا نحو المجد الأرضي وحب السيطرة، لكن السيِّد وجَّه أنظارهم إليه هو بكونه ما جاء ليخدِمهُ الآخرون بل يخدِم الآخرين، مقدّمًا حياته فِدية عنهم. لم يأتِ ليسود مع أنه هو السيِّد، وإنما جاء كعبدٍ ليمد يده فيغسل الأقدام المتّسخة. فالملكوت في جوهره هو اتّحاد مع الله في ابنه يسوع المسيح، وبروحه ندخل في سِباق نحو اِحتلال الصفوف الأخيرة، كعبيد نخدم الآخرين لنرفعهم بالروح القدس من عبوديّة الخطيّة إلى مجد أولاد الله خلال اتّحادهم بابن الله الوحيد! ما أجمل تعبير الرسول بولس: "اسْتعبَدت نفسي لكثيرين". ما كان يمكنه أن يقبل هذا، ولا استطاع أن ينفّذ ما لم يتّحد في الابن الوحيد الذي صار عبدًا من أجلنا! بقدر ما تُصلب الأنا ويرفض الإنسان الكرامة ينطلق بالروح القدس نحو أمجاد الملكوت السماوي، متنعّمًا بثماره أيضًا هنا كمجدٍ داخليٍ ونعمٍ إلهيّة لا تُقدر.
يقدّم لنا القدّيس أغسطينوس تعليقًا على كلمات السيِّد بخصوص خدمة الآخرين والبذل من أجلهم، هكذا: [كل واحد هو خادم للمسيح على نفس الطريقة التي بها المسيح أيضًا خادم. ومن يخدم المسيح هكذا يكرمه أبوه كرامة عظيمة، إذ يجعل ابنه معه، ولا يعوزه شيئًا من السعادة الأبديّة.] ويكمّل القدّيس حديثه عن الخدمة والخدّام، قائلاً: [لا تفكّروا فقط في الأساقفة والكهنة الصالحين، وإنما كونوا أنتم أيضًا خدّاما للمسيح بالطريقة الخاصة بكم، خلال حياتكم الصالحة وتقديم الصدقة والكرازة باسمه والتعليم قدر ما تستطيعون. فكل أب عائلة يعرف خلال هذا اللقب العاطفة التي يحملها كوالد لهذه العائلة. لينذِر كل أهل بيته، ويعلّمهم وينصحهم ويُصلِح من أمرهم من أجل المسيح ومن أجل الحياة الأبديّة. بهذا يمتلئ البيت من العمل الكنسي ويقوم الأب بنوع من العمل الأسقفي، خادمًا المسيح ليبقى معه إلى الأبد. فإنه حتى خدمة الآلام السامية جدًا قد مارسها كثيرون من طبقتكم (أي من الشعب). فإن كثيرين من الشبَّان والعذارى، من الرجال والنساء، آباء وأمهات، ليسوا أساقفة ولا كهنة خدموا المسيح بتسليم حياتهم للاستشهاد من أجله، فكرَّمهم الأب بقبول أكاليل مجد متزايدة.]
4. الملكوت والاستنارة
إن كنّا قد رأينا الله نفسه رب البيت هو الذي اختارنا لملكوته، ودعانا كفعَلَة في كرْمه، موضّحًا لنا أنه لا يمكن أن نتمتّع بملكوته خارج صليبه، ومؤكِّدًا التزامنا بالصليب معه كعطيّة إلهيّة، فنحمل صليب ربّنا بروح الخدمة في تواضع، فإن الإنجيلي يختم الحديث بتفتيح عينيّ الأعميين الجالسين على الطريق عند أريحا قبل دخوله أورشليم ليُصلب.
لعلّ هذه هي آخر معجزة علنيّة صنعها السيِّد قبل دخوله أورشليم ليُصلب ليؤكّد حاجة البشريّة - اليهود والأمم - إلى البصيرة الداخليّة كعطيّة شفاء إلهي حتى يعاينا الملكوت السماوي. لقد عاش اليهود زمانًا طويلاً كنسل إبراهيم حسب الجسد، يحفظون الناموس ويسجّلون النبوّات، ومع هذا كانت بصيرتهم الداخليّة قد أصابها العمى الروحي بسبب تفكيرهم الحرفي والمادي. وكأن الأمم أيضًا قد قضوا زمانهم في العبادة الوثنيّة التي ثقَّلت نفوسهم بالظلمة، فلا يطلبون غير متعة الجسد وكرامة العالم. لقد وقف الجميع - اليهود والأمم - كأعميين في الطريق لم يدخلا بعد إلى أورشليم، غير قادرين على معاينة الأمجاد، حتى يتقدّم ابن داود الملك المسيّا الذي تنتظره البشريّة، يسألهما: "ماذا تريدان أن أفعل بكما؟" [32].
في الوقت الذي فيه يُعلِن متّى البشير تفتيح أعين الأعميين إشارة إلى استنارة بصيرة المؤمنين من اليهود والأمم، اكتفي الإنجيليّان مرقس ولوقا بذكر أعمى واحد ممثِّلاً البشريّة في قبولها الإيمان ككنيسة واحدة بلا تمييز بين يهودي وأممي. يقول القدّيس أغسطينوس: [من هما الأعميان الجالسان على الطريق؟ إنهما هذان الشعبان اللذان جاء المسيح ليشفيهما!... اليهود والأمم، محقّقًا ما وعد به إبراهيم "ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض" (تك 22: 18). لذلك ذهب أيضًا الرسول بعد قيامة الرب وصعوده إلى الأمم عندما ازدرى بهم اليهود... لذلك أيضًا دعا السيِّد حجر الزاوية (1 تس 2: 20) "الذي جعل الاثنين واحدًا" (أف 2: 14)، إذ يضم حجر الزاوية حائطين في اتّجاهين مختلفين. وأي اِختلاف مثلما كان بين المختونين والغُرْل، فقد أقام حائطًا من اليهود وآخر من الأمم، جمعهما معًا حجر الزاوية، لأن "الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأسًا للزاوية" (مز 118: 22)... إذن، فالأعميان اللذان كانا يصرخان إلى الرب إنّما هما الحائطان في هذا المثال.]
ويعلّل الأب غريغوريوس (الكبير) ذكر هذه المعجزة قبل دخول السيِّد أورشليم ليُصلب، قائلاً: [إذ كان التلاميذ لا يزالوا جسديّين لم يستطيعوا فهم كلمات السرّ، لذلك تمّم المعجزة. لقد فتح عينيّ الأعمى لكي يثبت إيمانهم خلال علامات من السماء.]
إن عدنا للأعمى أو الأعميين، فإنه ما كان يمكن أن يتمتّع بتفتيح عينيّه ما لم يدرك أولاً حاجته إلى النور وإدراكه لقوة السيِّد المسيح الشافي النفس والجسد.
يقول البابا كيرلّس الكبير: [وُجد أناس كثيرون حول يسوع... لكن الأعمى شعر بحضرته وتمسَّك به في قلبه هذا الذي لم تستطع عيناه الجسديَّتان أن تراه.] أمّا سرّ شفائه فهو صوت المسيح واهب النور، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [صوت المسيح نور للأعمى، لأنه كلمة النور الحقيقي.]
عند شفائهما يقول الإنجيلي: "وقف يسوع وناداهما" [33].إذ اقتربا إليه بقلبيهما بالإيمان نعِما بالاقتراب إليه أيضًا بالجسد وسمعا صوته. الإيمان يُحضرنا إلى السيِّد المسيح حتى نستحق الوجود معه وسماع صوته.
كان الأعميان يصرخان، قائلين: "ارحمنا يا سيّد يا ابن داود" [30]، ومع هذا يسألهما: "ماذا تريدان أن أفعل بكما؟" إنه يقدّس الإرادة الإنسانيّة التي كلَّلنا بها. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [الله لا يقيِّد رغباتنا أو إرادتنا بعطاياه، لكن ما نكاد نبدأ ونُظهر الاستعداد حتى نجده يعرض علينا فرصًا عديدة للخلاص.]
أما الصرخات التي يلزمنا أن نقدّمها للسيّد أثناء اجتيازه، فهي صرخات الإيمان العامل. يقول القدّيس أغسطينوس: [من أجل محبّة هذا النور أريد أن أحثِّكم أيها الأحباء إنه يلزم أن تصرخوا بالأعمال الصالحة عندما يجتاز يسوع، فيسمع صوت إيمانك ويقف يسوع غير المتغيِّر... يفتح أعينكم.]
v حب المسيح!
اُطلب النور الذي هو المسيح!
إن كان الأعمى يحبّ نور الجسد، كم بالأكثر يلزمنا أن نتوق إلى نور النفس؟ لنصرخ إليه لا بكلمات وإنما بالحياة الفاضلة...
الجماهير تنتهر الأعمى لكي لا يصرخ! يوجد مسيحيّون ليسوا بقليلين، هؤلاء يطلبون أن يعوقوننا عن الحياة، وذلك كالجمهور الذي سار مع المسيح وأعاقوا الصارخ للمسيح. كان الأعمى جائعًا للنور من حنوّ المسيح.
يوجد مسيحيّون كهؤلاء لكي نغلبهم ونحيا في الفضيلة، فتكون حياتنا هي الصوت الصارخ للمسيح. لنحيا الحياة الفاضلة؛ بهذا نصرخ إليه!
القدّيس أغسطينوس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:42 pm

القدّيس أغسطينوس
v عملنا جميعه في هذه الحياة أيها الإخوة أن تُشفى عينا القلب اللتان بهما نُعاين الله! هذا هو غاية احتفالنا بالأسرار المقدّسة، وهدف البشارة بكرم الله!
v أيعطيك الله العين التي بها ترى الشمس التي خلقها، ولا يهبك تلك التي بها تراه هو نفسه خالقها، وقد خلقك على صورته؟ لقد وهبك إيّاها أيضًا! لقد أعطاك كليهما، لكن بمحبتك للعينين الخارجيّتين أكثر من العين الداخليّة، وباحتقارك للأخيرة صرت مريضًا وجريحًا.
القدّيس أغسطينوس
1 فان ملكوت السماوات يشبه رجلا رب بيت خرج مع الصبح ليستاجر فعلة لكرمه
2 فاتفق مع الفعلة على دينار في اليوم و ارسلهم الى كرمه
3 ثم خرج نحو الساعة الثالثة و راى اخرين قياما في السوق بطالين
4 فقال لهم اذهبوا انتم ايضا الى الكرم فاعطيكم ما يحق لكم فمضوا
5 و خرج ايضا نحو الساعة السادسة و التاسعة و فعل كذلك
6 ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج و وجد اخرين قياما بطالين فقال لهم لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين
7 قالوا له لانه لم يستاجرنا احد قال لهم اذهبوا انتم ايضا الى الكرم فتاخذوا ما يحق لكم
8 فلما كان المساء قال صاحب الكرم لوكيله ادع الفعلة و اعطهم الاجرة مبتدئا من الاخرين الى الاولين
9 فجاء اصحاب الساعة الحادية عشرة و اخذوا دينارا دينارا
10 فلما جاء الاولون ظنوا انهم ياخذون اكثر فاخذوا هم ايضا دينارا دينارا
11 و فيما هم ياخذون تذمروا على رب البيت
12 قائلين هؤلاء الاخرون عملوا ساعة واحدة و قد ساويتهم بنا نحن الذين احتملنا ثقل النهار و الحر
13 فاجاب و قال لواحد منهم يا صاحب ما ظلمتك اما اتفقت معي على دينار
14 فخذ الذي لك و اذهب فاني اريد ان اعطي هذا الاخير مثلك
15 او ما يحل لي ان افعل ما اريد بما لي ام عينك شريرة لاني انا صالح
16 هكذا يكون الاخرون اولين و الاولون اخرين لان كثيرين يدعون و قليلين ينتخبون
17 و فيما كان يسوع صاعدا الى اورشليم اخذ الاثني عشر تلميذا على انفراد في الطريق و قال لهم
18 ها نحن صاعدون الى اورشليم و ابن الانسان يسلم الى رؤساء الكهنة و الكتبة فيحكمون عليه بالموت
19 و يسلمونه الى الامم لكي يهزاوا به و يجلدوه و يصلبوه و في اليوم الثالث يقوم
20 حينئذ تقدمت اليه ام ابني زبدي مع ابنيها و سجدت و طلبت منه شيئا
21 فقال لها ماذا تريدين قالت له قل ان يجلس ابناي هذان واحد عن يمينك و الاخر عن اليسار في ملكوتك
22 فاجاب يسوع و قال لستما تعلمان ما تطلبان اتستطيعان ان تشربا الكاس التي سوف اشربها انا و ان تصطبغا بالصبغة التي اصطبغ بها انا قالا له نستطيع
23 فقال لهما اما كاسي فتشربانها و بالصبغة التي اصطبغ بها انا تصطبغان و اما الجلوس عن يميني و عن يساري فليس لي ان اعطيه الا للذين اعد لهم من ابي
24 فلما سمع العشرة اغتاظوا من اجل الاخوين
25 فدعاهم يسوع و قال انتم تعلمون ان رؤساء الامم يسودونهم و العظماء يتسلطون عليهم
26 فلا يكون هكذا فيكم بل من اراد ان يكون فيكم عظيما فليكن لكم خادما
27 و من اراد ان يكون فيكم اولا فليكن لكم عبدا
28 كما ان ابن الانسان لم يات ليخدم بل ليخدم و ليبذل نفسه فدية عن كثيرين
29 و فيما هم خارجون من اريحا تبعه جمع كثير
30 و اذا اعميان جالسان على الطريق فلما سمعا ان يسوع مجتاز صرخا قائلين ارحمنا يا سيد يا ابن داود
31 فانتهرهما الجمع ليسكتا فكانا يصرخان اكثر قائلين ارحمنا يا سيد يا ابن داود
32 فوقف يسوع و ناداهما و قال ماذا تريدان ان افعل بكما
33 قالا له يا سيد ان تنفتح اعيننا
34 فتحنن يسوع و لمس اعينهما فللوقت ابصرت اعينهما فتبعاه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:43 pm

الأصحاح الحادي والعشرون
دخول الملك أورشليم
تقدّم لنا الأصحاحات الثمانية الأخيرة (21-28) صورة حيّة للأسبوع الأخير لحياة السيِّد المسيح على الأرض الذي قدّم لنا فيه نفسه فِصحًا ليعبُر بنا من ملكوت الظلمة إلى ملكوته الأبدي. وقد حرص الإنجيليّون أن يسجّلوا لنا صورة تفصيليّة عن هذا الأسبوع الذي غيّر مجرى حياة البشريّة.
1. دخوله أورشليم 1-11.
2. تطهير الهيكل 12-14.
3. تسبيح الأطفال 15-16.
4. في بيت عنيا 17.
5. شجرة التين العقيمة 18-22.
6. جدال الرؤساء معه 23-26.
7. مثل الابنين والكرم 27-32.
8. مثل الكرّامين الأشرار 33 -44.
9. إدراك الرؤساء أمثلته 45-46.
1. دخوله أورشليم
"ولما قربوا من أورشليم وجاءوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون،
حينئذ أرسل يسوع تلميذين. قائلاً لهما:
اذهبا إلى القرية التي أمامكما،
فللوقت تجدان أتانًا مربوطة وجحشًا معها،
فحلاّهما وأتياني بهما.
وإن قال لكما أحد شيئًا، فقولا:
الرب محتاج إليهما،
فللوقت يرسلهما" [1-3].
كانت أورشليم تكتظ بالملايين في ذلك الوقت، جاءوا يشترون خرافًا يحتفظون بها لتقديمها فِصحًا عنهم، أمّا السيِّد المسيح - حمل الله - فتقدّم بنفسه متَّجهًا نحو أورشليم ليقدّم نفسه فِصحًا عن البشريّة بإرادته. إنه ليس كبقيّة الحملان التي تُذبح فتؤكل وتُستهلك، إنّما يقدّم جسده ذبيحة حب قادرة أن تقيم من الموت وتهب حياة أبديّة لمن ينعم بها. إنه الكاهن والذبيحة في نفس الوقت الذي يتقدّم إلى الصليب، كما إلى المذبح لكي يرفع البشريّة المؤمنة إلى الحياة الجديدة التي فيه، ويحملها معه إلى سماواته.
لقد "جاءوا إلى بيت فاجي"، وهي قرية صغيرة جنوب شرقي جبل الزيتون، يسكنها الكهنة ليكونوا قريبين من الهيكل بأورشليم. يرى البعض أن "بيت فاجي" تعني بالعبريّة "بيت التين"، وقد سبق فرأينا في "التينة" رمزًا للكنيسة من جهة وحدتها حيث تضم بذورًا كثيرة داخل غلاف الروح القدس الحلو، خلاله يكون للكل طعمًا شهيًا، وبدونه تصير البذور بلا قيمة لا يمكن أكلها. هذه هي الكنيسة الواحدة المملوءة حلاوة خلالها يرسل السيِّد تلميذيْه ليحلاّ باسمه المربوطين، ويدخلا بالقلوب إلى أورشليم العُليا، أي رؤية السلام.
ويرى العلاّمة أوريجينوس أن "بيت فاجي" تعني "بيت الفَكْ"، وكأنها تذكرنا بالفكْ الذي يُلطم عليه المؤمن الحقيقي (الخد الأيمن) فيُحوّل الآخر لمن يلطمه، مقدّمًا له الحب ليكسر شرّه. كما يذكِّرنا بالفكْ الذي ضرب به شمشون الأعداء فأهلكهم، وقد أفاض ماءً أنعشه وقت عطشه (قض 15: 19). هكذا لا نستطيع أن نلتقي بالمسيّا المخلّص كفاتح لأورشليمنا الداخليّة ما لم نقدّم خدِّنا الأيمن وأيضًا الأيسر بالحب لمضايقينا، محتملين شرّهم بصبرٍ حقيقيٍ.
هذا هو باب التمتّع بمسيحنا - الفِصح الحقيقي - الذي أفاض علينا ينبوع مياه حيّة كما مع شمشون (قض 15: 19) هو ينبوع ماء روحه القدّوس الذي يروي القلب ليحوِّله من بريَّة مقفرة إلى جنّة الله المثمرة.
يقول الإنجيلي: "ولما قربوا من أورشليم وجاءوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون" [1]... ما هو جبل الزيتون الذي جاء إليه السيِّد قبيل دخوله أورشليم الذي اكتظّ بأشجار الزيتون، إلا السيِّد المسيح نفسه، الذي هو نفسه "الطريق"، هو بدايته وهو نهايته. به يدخل إلينا، وفيه يستقر! وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [لعلّ المسيح نفسه هو الجبل، فمن هو ذاك الجبل إلا الذي يقدر أن يقدّم أشجار زيتون مثمرة، لا كالأشجار التي تنحني بسبب ثِقل ثمارها، وإنما تذخر بالأمم خلال كمال الروح؟! إنه ذاك الذي خلاله نصعد وإليه نبلغ. إنه الباب وهو الطريق؛ هو الذي ينفتح لنا، وهو الذي يفتح.]
يقول أيضًا القدّيس أمبروسيوس: [لقد جاء إلى جبل الزيتون لكي يغرس الزيتون الصغير بقوّته السماويّة... إنه الزارع السماوي؛ وكل غرس يغرسه في بيت الله يعلن: "أمّا أنا فمثل زيتونة خضراء في بيت الله، توكّلت على رحمة الله إلى الدهر والأبد" (مز 52: 8).]
عند جبل الزيتون أرسل السيِّد تلميذين، قائلاً لهما: "اذهبا إلى القرية التي أمامكما". بعث بتلميذيه إلى قرية ليأتيا بالأتان والجحش المربوطين بعد حلّهما، ليستخدمهما في دخوله أورشليم. معلنًا احتياجه إليهما، وقد رأى آباء الكنيسة أن كل كلمة وردت بخصوص هذا الحدث تحمل معنى يمس خلاص البشريّة، نذكر على سبيل المثال:
أولاً: الأتان والجحش يمثّلان رمزيًا العالم في ذلك الحين وقد انقسم إلى اليهود والأمم... فالرب محتاج إلى كل البشريّة حتى وإن انحطّت في فكرها إلى الأتان والجحش من جهة معرفتهم لله وسلوكهم الروحي. وكما يقول المرتّل: "صرتُ كبهيمة عندك، ولكنّني دائمًا معك" (مز 73: 22-23). في تواضع إذ يشعر الإنسان بعجزه عن إدراك أسرار الله يرى نفسه وقد صار كبهيمة عاجزة عن التفكير، فيحمل كلمة الله داخله، ويصير هو نفسه كأورشليم الداخليّة. إنه يتقبّل عمل السيِّد في حياته كما من خلال تلميذيه، يحلانه من الرباطات الأولى بالروح القدس ويقدّمانه للسيِّد كمركبة إلهيّة تنطلق في حرّية، نحو أورشليم العُليا (غل 4: 26) عِوض قريته الأولى وأعمال العبوديّة الحقيرة.
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لقد شبّه البشر بهذين الحيوانين لوجود مشابهات معهما... فالحمار حيوان دنس (حسب الشريعة) وأكثر الحيوانات المستخدمة للحمل غباءً، فهو غبي وضعيف ودنيء ومثقّل بالأحمال. هكذا كان البشر قبل مجيء المسيح إذ تلوّثوا بكل شهوة وعدم تعقل، كلماتهم لا تحمل رقّة، أغبياء بسبب تجاهلهم لله، فإنه أيّة غباوة أكثر من احتقار الشخص للخالق وتعبُّده لعمل يديه كما لو كان خالقه؟! كانوا ضعفاء في الروح، أدنياء، إذ نسبوا أصلهم السماوي وصاروا عبيدًا للشهوات والشيّاطين. كانوا مثقّلين بالأحمال، يئنّون تحت ثقل ظلمة الوثنيّة وخرافاتها.]
ويقول القدّيس كيرلّس الكبير في هذا: [لقد خلق إله الكل الإنسان على الأرض بعقلٍ قادرٍ على الحكمة، له قُوى الفهم، لكن الشيطان خدعه؛ ومع أنه مخلوق على صورة الله أضلَّه، فلم تعد له معرفة بالخالق صانع الكل. انحدر الشيطان بسكان الأرض إلى أدنى درجات عدم التعقّل والجهل. وإذ عرف الطوباوي داود ذلك، أقول بكى بمرارة قائلاً: "والإنسان في كرامة لم يفهم، يشبه البهائم بلا فهم" (مز 49: 12). من المحتمل أن الأتان الأكبر سنًا ترمز لمجمع اليهود إذ صار بهيميًّا، لم يعطِ للناموس اهتمامًا إلا القليل، مستخفًا بالأنبياء والقدّيسين، وقد أضاف إلى ذلك عصيانه للمسيح الذي دعاه للإيمان ولتفتيح عينيّه، قائلاً: "أنا هو نور العالم، من يؤمن بي فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة" (يو 8: 12). الظلمة التي يتحدّث عنها هنا بلا شك تخص الذهن وتعني الجهل والعُمى وداء عدم التعقّل الشديد. أمّا الجحش الذي لم يكن بعد قد اُستخدم للركوب فيمثِّل الشعب الجديد الذي دُعيَ من بين الوثنيّين. فهذا أيضًا قد حُرم بالطبيعة من العقل؛ كان هائمًا في الخطأ، لكن المسيح صار حكمته "المذخَّر فيه جميع كنوز الحكمة (وأسرار) العلم" (كو 2: 3). لذلك أُحضر الجحش بواسطة تلميذين أرسلهما المسيح لهذا الغرض. ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أن المسيح دعا الوثنيّين بإشراق نور الحق عليهم، يخدمه في ذلك نظامان: الأنبياء والرسل. فقد رُبح الوثنيّون للإيمان بكرازة الرسل الذي يستخدمون كلمات مقتبسة من الناموس والأنبياء. يقول أحدهم للذين دُعوا بالإيمان لمعرفة مجيء المسيح: "وعندنا الكلمة النبويّة وهي أثبت، التي تفعلون حسنًا إن اِنتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضعٍ مظلمٍ، إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم" (2 بط 1: 19)... فإذ تفجّر النهار بإشراق نور الحق لم تعد الكلمة النبويّة سراجًا صغيرًا بل صار يضاهي أشعة كوكب الصبح.
لقد أُحضر الجحش من قرية، مشيرًا بذلك إلى حال فكر الوثنيّين غير المتمدِّن، إذ لم يكن كمن تعلَّم في مدينة، وإنما كمن عاش بطريقة ريفيّة خشنة وفَظّة... هؤلاء لا يستمرّون على هذا الحال بخصوص الذهن غير المتمدِّن، وإنما
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:43 pm

لقد أُحضر الجحش من قرية، مشيرًا بذلك إلى حال فكر الوثنيّين غير المتمدِّن، إذ لم يكن كمن تعلَّم في مدينة، وإنما كمن عاش بطريقة ريفيّة خشنة وفَظّة... هؤلاء لا يستمرّون على هذا الحال بخصوص الذهن غير المتمدِّن، وإنما يتغيّرون إلى حالة من السلام والحكمة بخضوعهم للمسيح معلّم هذه الأمور. إذن، لقد أُهملت الأتان، إذ لم يركبها المسيح مع أنها سبق فاُستخدمت للركوب ومارست الخضوع لراكبيها، مستخدمًا الجحش الذي كان بلا مران سابق ولم يستخدمه أحد... وكما سبق فقلت لقد رفض المجمع اليهودي الذي سبق فامتطاه الناموس، وقبل الجحش، الشعب الذي أُخذ من الأمم.]
هذا التفسير الرمزي للقدّيس كيرلّس الكبير أخذه عن العلاّمة أوريجينوس القائل: [رَمَزَ للمجمع اليهودي القديم بالأتان، إذ كان مقيَّدًا بخطاياه. وكان أيضًا معها الجحش مقيَّدًا، كرمز للشعب الحديث الولادة من الأمم. وإذ اقترب المخلّص وصار الطريق لأورشليم السماويّة مفتوحًا أمر بحلِّها خلال تعاليم تلاميذه الذين أعطاهم الروح القدس، قائلاً: "اقبلوا الروح القدس، من غفرتم خطاياه تُغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت" (يو 20: 22-23). كما يقول: [كان احتياجه هكذا أنه إذ يجلس عليهما يحرّرهما من الأتعاب، مصلحًا من أمْر من يجلس عليهما، لا بمعنى أنه هو الذي يستريح بواسطتهما.]
ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [يعني بالجحش الكنيسة والشعب الجديد الذي كان قبلاً غير طاهر وقد صار طاهرًا، إذ استقرّ يسوع عليه.]
ثانيًا: يتحدّث القدّيس جيروم عن التلميذين اللذين أرسلهما السيِّد، قائلاً: [أرسل تلميذيه، أحدهما لأهل الختان والآخر للأمم.] أمّا القدّيس هيلاري أسقف بواتييه فيرى أن التلميذين قد أرسلا إلى الأمم، أحدهما إلى السامرة التي كانت لها بعض المعرفة عن الله والآخر لبقيّة الأمم، قائلاً: [الأتان والجحش يشيران إلى دعوة الأمم المزدوجة. فالسامريّون عبدوا الله خلال طقوسهم، وقد أُشير إليهم بالأتان، أمّا الأمم فيُشار إليهم بالجحش إذ لم يكونوا بعد قد تدرّبوا على الحمل. هكذا أرسل (السيِّد) اثنين لتحرير من كانوا تحت رباطات الخزعبلات. فآمنت السامرة بواسطة فيلبس، وآمن كرنيليوس بالمسيح كبكر عن الأمم بواسطة بطرس.]
لاحظ القدّيس جيروم في إنجيل لوقا البشير أن للجحش أصحاب كثيرون، وكأن هذا الشعب خاضع ليس لخطيّةٍ واحدٍ أو لشيطانٍ واحدٍ بل لكثيرين، هؤلاء الذين اِستسلموا خلال كرازة الرسل، تاركين إيّاه لسيِّده الحقيقي يسوع المسيح.
ثالثًا: يتحدّث القدّيس أمبروسيوس عن السلطان الإلهي الذي وُهب للتلميذين ليحلاّ الأتان والجحش، قائلاً: [ما كان يمكن حلهما إلا بأمر الرب، فاليد الرسوليّة التي من قبل الرب تحلِّهما.] ويقول العلاّمة أوريجينوس: [هذه الأتان كانت حاملة أولاً بلعام (عد 22)، والآن تحمل المسيح، هذه التي حلّها التلاميذ، فتحرّرت من الرباطات التي كانت تقيّدها، ذلك لأن ابن الله صعد عليها ودخل بها في المدينة المقدّسة أورشليم السماويّة.]
ويقول القدّيس جيروم: [كما أرسل (السيِّد) تلميذيه ليحلاّ الجحش ابن الأتان ليمتطيه، هكذا يرسلهما إليك ليحلاّك من اهتمامات العالم وتركك للّّبْْن والقش الذي لمصر فتتبعه بكونه موسى الحقيقي، وتدخل إلى أرض الموعد خلال البرّيّة.]
رابعًا: طلب السيِّد من تلميذيه أن يقولا لصاحب الأتان والجحش: "الرب محتاج إليهما". حقًا إنه يتطلّع إلى البشريّة كلها لا كمن يتعالى عليها، بل كمن هو محتاج إلى الجميع، يطلب قلوبنا مسكنًا له، وحياتنا مركَّبة سماويّة تحمله.
لاحظ القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيِّد لم يطلب منهما أن يقولا: "ربَّك محتاج إليهما"، ولا أن يقولا "ربّنا محتاج إليهما"، بل قال "الرب"، وذلك [لكي يُدركون أنه رب البشريّة كلها، حتى الخطاة منتمون إليه، وإن كانوا بكامل حرّيتهم قد اِنتموا إلى الشيطان.]
والعجيب أن صاحب الأتان والجحش لم يجادلهما بل سلَّم بملكِه للسيِّد، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان الذي لم يعرف المسيح خضع له، فكم بالأحرى يليق بتلاميذه أن يقدّموا له كل شيء.]
خامسًا: يُعلن الإنجيلي متّى أن ما يحدث قد سبق فأنبأ به زكريّا النبي: "فكان هذا كلّه لكي يتمّ ما قيل بالنبي القائل: قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك وديعًا راكبًا على أتان وجحش ابن أتان" [4].وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ عرف النبي، أعني زكريّا، حقد اليهود ومقاومتهم للمسيح عند صعوده للهيكل، سبق فحذَّرهم، معطيًا لهم هذه العلامة لكي يعرفوه.]
لقد أعلن السيِّد المسيح حبّه لعروسه فتصاغر أمامها لكي يخدمها، فعند دخوله إلى أورشليم ليمد يده للنفس البشريّة كعروس له، لم يتَّخذ لنفسه مركبًا وخيلاً ورجالاً يجرون أمامه، كما فعل أبشالوم بن داود عند دخوله مدينة أبيه (2 صم 5: 1)، ولا اِتخذ لنفسه عجلات وفرسانًا كما فعل أدونيا (1 مل 1: 5)، ولم يبوِّق قدَّامه بالبوق والناي كما حدث مع سليمان (1 مل 1: 38-40). الجالس في سماء السماوات سبق فأرسل إلى إيليّا مركبة ناريّة، أمّا هو فركب أتانًا وجحش ابن أتان، مع أنه هو الذي رآه إشعياء جالسًا على كرسي عظمته على مركبة الكاروبيم على كرسي عال مرتفع وأذياله تملأ الهيكل (إش 6: 1) وكما ينشد القدّيس يعقوب السروجي قائلاً:
[حبَّك أنزلك من المركبة إلى الجحش العادي.
عِوض جنود الكاروبيم غير المفحوصين، يبجِّلك جحش متواضع في بلدنا!
أنزلتْكَ المراحم من بين العجل والوجوه وأجنحة اللهب، لكي يبجّلك ابن الأتان في المركبة. يجاهر السمائيّون ببهائك، وهنا الجحش الحقير المزدرى به يحملك بين السمائيّين.
كاروبيم النار يباركونك طائرين، وهنا الأطفال يمجّدونك بتسابيحهم.
ملائكة النور... يهيّئون طريقه، والتلاميذ هنا يلقون قدامه ثيابهم.
نزل الجبار من عند أبيه ليفتقد مكاننا، وبإرادته بلغ إلى منتهى التواضع.
ركب الجحش ليفتقد بالتواضع شعبه.
زكريّا النبي حمل قيثارة الروح، وأسرع قدّامه بترتيل نبوّته بابتهاج، شدّ أوتاره وحرَّك صوته وقال: "افرحي يا ابنة صهيون واهتفي واصرخي، لأن ملكك يأتي، وها يبلغ راكبًا جحشًا ابن أتان" (زك 9:9).]
ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على استخدام السيِّد للأتان والجحش، قائلاً: [إن كان النبي قد عاش قبل مجيئه بزمان طويل يقول "هوذا" (زك 9:9)، ليوضّح أن من يتكلَّم عنه هو ملكهم حتى قبل أن يولد. متى رأيتموه لا تقولوا: ليس لنا ملك إلا قيصر، فقد جاء إليكم ليخلّصكم إن فهمتموه، أمّا إن لم تفهموه فيأتي ضدَّكم. جاء "وديعًا" حتى لا تهابوا عظمته، بل تُحبُّون رقَّتِه. لا يأتي جالسًا على مركبة ذهبيَّة، ولا ملتحفًا بالأرجوان، ولا راكبًا على فرس ناري، كمن يشتاق إلى الخصام والصراع، وإنما يأتي على أتان صديقًا للهدوء والسلام.]
سادسًا: إلقاء الثياب تحته، "فذهب التلميذان وفعلا كما أمرهما يسوع. وأتيا بالأتان والجحش، ووضعا عليهما ثيابهما، فجلس عليهما. والجمع الأكثر فرشوا ثيابهم في الطريق" [6-8].
سبق فقلنا أن تقديم الثوب إلى شخص يُشير إلى ترشيحه للرئاسة (إش 3: 6)، وهنا تقدّم التلاميذ نيابة عن الكنيسة يُعلنون قبولهم العريس رأسًا ورئيسًا.
ألقوا بالثوب القديم ليتمتّعوا بالسيِّد المسيح نفسه كثوب البرّ الذي يلتحفون به ويختفون فيه. نزعوا ثوب السجن مع يهوياكين (إر 52: 33) حتى يقدروا أن يجالسوا العريس ملك الملوك، فيسمعوا مناجاته: "ما أحسن حبِّك يا أختي العروس... رائحة ثيابِك كرائحة لبنان" (نش 4: 11). أمّا هم فيردّدون: "فرحًا أفرح بالرب، تبتهج نفسي بإلهي، لأنه قد ألبسني ثياب الخلاص، كساني رداء البرّ، مثل عريس يتزيَّن بعمامة ومثل عروس تتزيّن بحليّها" (إش 61: 10).
يتحدّث القدّيس جيروم عن هذه الثياب، قائلاً: [ثياب التلميذين التي وضعاها على الحيوان تُشير إلى تعليم الفضيلة أو تفسير الكتاب المقدّس وإلى الحق الذي للكنيسة، فإن لم تتزيّن النفس بهذه الأمور وتلتحف بها لا تستحق أن تحمل الرب.]
سابعًا: استخدموا سعف النخيل وأغصان الزيتون، "وآخرون قطعوا أغصانًا من الشجر وفرشوها في الطريق" [8]. جاء في إنجيل يوحنا "فأخذوا سعوف النخل، وخرجوا للقائه" (يو 12: 13).
أعلن الشعب عن فرحة الكنيسة بنصرتها بالرب. وقد اختلط سعف النخل بأغصان الزيتون، وكأن روح النصرة قد امتزجت بروح السلام، إذ دخل الأسد ليرقد في القبر، فيفزع الموت، ويفجِّر أبواب الجحيم، مقدّمًا سلامًا فائقًا للنفس بارتفاعها فوق الموت، ودخولها إلى حضن الآب في مصالحة أبديّة. يقول القدّيس أغسطينوس: [سعف النخيل شعار للمدح، يعني النصرة، فقد كان الرب قادمًا للنصرة على الموت بالموت، وهزيمة الشيطان رئيس الموت بصليبه الغالب.]
ولعلّ أغصان الشجر هنا تُشير إلى نبوّات العهد القديم التي تقتطعها لكي تفرش لنا طريق دخول المسيّا المخلّص إلى قلبنا، فإنه ما كان يمكن للعالم أن يتقبّل ربّنا يسوع بكونه المسيّا المخلّص لو لم تُفرش هذه النبوّات أمامه في أذهاننا وقلوبنا تُعلن عن شخصه.
ثامنًا: صرخات الجموع "والجموع الذين تقدّموا والذين تبعوا، كانوا يصرخون، قائلين: أوصانا لابن داود، مبارك الآتي باسم الرب، أوصنا في الأعالي" [9].
استقبلته الجماهير بفرح وتهليل كملك "ابن داود"، إذ وحده يقدر أن يخلّصهم، ويرتفع بهم إلى الأعالي. لكن ماذا يعني بالجموع التي تقدّمته والتي تبعته. يقول القدّيس جيروم: [جموع الذين آمنوا بالرب قبل الإنجيل (التي تقدّمته)، والذين آمنوا به بعد الإنجيل (تبعته)، فالكل يسبّح معًا بصوت واحد ويشهدون له.] هذا التفسير الرمزي التقطه القدّيس جيروم عن العلاّمة أوريجينوس القائل: [يمكننا القول بأن الذين تقدّموه هم الأنبياء القدّيسون الذين عاشوا قبل مجيئه، أمّا الذين تبعوه، فهم الرسل الذين التصقوا به بعد مجيء الله الكلمة. أعلن الكل نفس الشيء، متّحدين معًا بصوت واحد: إن المخلّص قد تأنّس.] ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [السابقون أعلنوا بالنبوّة عن المسيح الآتي، والآخرون سبَّحوا معلنين أن مجيئه قد تحقّق.]
هكذا استقبلته الجماهير، تقدّمته جماعة بالتهليل ممثّلة رجال العهد القديم الذين رأوه بعينيّ الإيمان خلال النبوّة، وتبعته جماعة خلفه تسبِّحه كممثّلة لرجال العهد الجديد الذين تمتّعوا بما اشتهاه الأنبياء.
أما تسابيحهم فتركّزت في إعلان الخلاص، قائلين: "أوصنا" أو "هوشعنا"، وهي كلمة عبريّة تركت في أغلب الترجمات كما هي، لذلك يراها القدّيس أغسطينوس أداة تعجّب تكشف عن حالة ذهنيّة أكثر منها معنى خاص، وإن كان أغلب الآباء والدارسين يرون فيها معنى "خلصنا". وكما يقول القدّيس جيروم: [أنها تعني أن مجيء المسيح هو خلاص العالم.]
أما قوله "أوصنا لابن داود... أوصنا في الأعالي" فكما يقول العلاّمة أوريجينوس: [مدحوا ناسوتيتّه بصراخهم: "هوشعنا يا ابن داود"، ومدحوا إصلاحه، هذا يعني أن الخلاص هو في الأعالي، مشيرًا بوضوح إلى أن مجيء المسيح يعني الخلاص الذي لا يمس البشر وحدهم بل المسكونة كلها، رابطًا الأرضيّات بالسماويات (في 2: 10).] ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على قوله "مبارك الآتي باسم الرب قائلاً: [لنفهم من قوله "باسم الرب" بالأكثر "اسم الله الآب"، وإن كان يمكن أن يُفهم على أنه باسمه هو بكونه الرب... لقد قال بنفسه: "أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلونني، إن أتى أحد باسم آخر فذلك تقبلونه" (يو 5: 43). فإن المعلّم الحقيقي للتواضع هو المسيح الذي أخلى نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب (في 2: 8)، لكنّه لم يفقد لاهوته بتعليمه التواضع. فبالواحد هو مساوٍ للآب، وبالآخر هو مشابه لنا نحن. بذاك الذي هو مساوي للآب دعانا إلى الوجود، وبالذي صار به مشابهًا لنا، خلَّصنا من الهلاك.]
تاسعًا: "ولما دخل أورشليم اِرتجَّت المدينة كلها قائلة: من هذا؟. فقالت الجموع: هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل" [10-11].هكذا إذ دخل يسوعنا الحيّ إلى أورشليمنا الداخليّة ليُقيم ملكوته فينا بالصليب يرتج القلب كلّه مقدّمًا كل مشاعره وأحاسيسه وحبّه للملك الجديد، فيستعيد سلامه ويدخل إلى المصالحة مع السماء، بل ويصير سماءً جديدة!
2. تطهير الهيكل
إذ يدخل الرب أورشليمنا الداخليّة إنّما يدخل إلى مقدسه، يقوم بنفسه بتطيره، فيصنع سوطًا يطرد به باعة الحمام ويقلب موائد الصيارفة وهو يقول: "مكتوب بيتي بيت الصلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة للصوص" [13].
ما هو هذا السوط إلا الروح القدس الذي يرسله الابن من عند الآب ليبكِّت على خطيّة، ويهب التوبة الداخليّة، ويعطي حِلاً من الخطيّة خلال الكنيسة؟!
بالروح القدس الناري يعيد الرب لمقدسه فينا قدسيَّته التي فقدها، بتحويل حياتنا الداخليّة عن "حياة الصلاة" إلى عمل تجاري حتى في الأمور الروحيّة. عِوض أن يكون القلب خزانة إلهيّة تضم في داخلها السيِّد المسيح نفسه كنزًا سماويًا لا يفنى يرتبك بحسابات الصيارفة وتجارة الحمام، فينزع عنه سلام الله الفائق ليقتني لنفسه ارتباكات زمنيّة خانقة للنفس.
يرى القدّيس جيروم أن الكهنة اليهود كانوا يستغلِّون عيد الفِصح حيث يأتي اليهود من العالم كلّه لتقديم الذبائح، فحوَّلوا الهيكل إلى مركز تجاري، أقاموا فيه موائد الصيارفة ليقدّموا القروض للناس لشراء الذبائح، يقدّمونها لا بالربا إذ تمنعه الشريعة، وإنما مقابل هدايا عينيّة، هي في حقيقتها ربا مستتر.
هذه صورة مؤلمة فيها يتحوّل هيكل الرب عن غايته، ويفقد الكهنة عملهم الروحي، ويحوِّلون رسالتهم إلى جمع المال. وكما يقول العلاّمة أوريجينوس: [ليُطرد كل إنسان يبيع في الهيكل، خاصة إن كان بائع حمام... أي يبيع ما يكشفه له الروح القدس (الحمامة) بمالٍ ولا يُعلّم مجَّانًا، يبيع عمل الروح فيُطرد من مذبح الرب.] يفقد الرعاة عملهم الروحي ويحوِّلون كلمة الله ومواهب الروح القدس وعطاياه إلى تجارة. وكما يقول القدّيس جيروم: [يدخل يسوع كل يوم إلى هيكل أبيه ويطرد من كنيسته في كل العالم أساقفة وكهنة وشمامسة وشعبًا موجِّهًا إليهم ذات الاتهام، أنهم يبيعون ويشترون. وما أقوله عن الكنائس يطبِّقه كل واحد على نفسه، إذ يقول الرسول "أنتم هياكل الله وروح الله ساكن فيكم". ليخلوا بيت قلبنا من كل تجارة ومقر للبائعين والمشترين ومن كل رغبة للحصول على هدايا، لئلا يدخل الرب ثائرًا ويُطهّر هيكله بلا تراخٍ بطريقة أخرى غير السوط، فيُقيم من مغارة اللصوص وبيت التجارة بيتًا للصلاة.]
يُعلّق القدّيس جيروم على طرد باعة الحمام وقلب موائد الصيارفة هكذا: [يظن معظم الناس أن أعظم معجزاته هي إقامة لعازر من الأموات أو تفتيح عينيّ المولود أعمى... وفي نظري أن أعجَبَها هي أن شخصًا واحدًا منبوذًا بلا اعتبار (ليس له مركز ديني معيَّن) قُدِّم للصلب استطاع أن يضرب بسوط الكتبة والفرّيسيّين الثائرين ضدّه، والذين يشاهدون بأعينهم دمار مكاسبهم، فيطرد الجمع الكبير ويقلب الموائد ويحطَّم الكراسي، فإن لهيبًا ناريًا ملتهبًا كان يخرج من عينيّه، وعظمة لاهوته تشعْ على وجهه، فلم يتجاسر الكهنة أن يمدُّوا أيديهم عليه.]
على أي الأحوال، بحسب الحسابات البشريّة خسر الهيكل في نظر القادة الدينيّين في ذلك الوقت الكثير، إذ طرْد الباعة والمشترين وقلبْ موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام، لكن بمنطق الإيمان نال الهيكل قدسيَّته بحلول السيِّد نفسه فيه، الأمر الذي لا يهمهم في شيء. عِوض التجارة الزمنيّة حلّ الكنز السماوي نفسه يملأ الهيكل سلامًا ومجدًا، واهبًا نورًا لعيون العمي وإمكانيّة للعرج أن يمشوا، إذ قيل "وتقدّم إليه عًمي وعرج في الهيكل فشفاهم" [14].وكما يقول القدّيس جيروم: [لو لم يقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام ما كان يستحق العمي والعرج أن يستردّوا النور، ويصيروا سريعين في المشي.]
إذ يحلّ الرب في القلب يحطَّم الشرّ وكل ما يتعلق به، لتحل بركة الرب فينا، فعِوض العمى الروحي تنفتح أعيننا الداخليّة لمعاينة السماويّات، وتشفي أرجلنا الداخليّة لتنطلق النفس بقوة الروح نحو الأبديّة، بعد أن توقَّفت زمانًا طويلاً لا تقدر على السير في الطريق الملوكي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:44 pm

3. تسبيح الأطفال [15-17]
بينما انفتحت ألسنة الأطفال والرُضَّع بالتسبيح [16] غضب رؤساء الكهنة والكتبة. الأطفال الصغار لم يقرأوا النبوّات ولا رأوا المعجزات، لكن قلوبهم البسيطة انفتحت للملك فطفقت ألسنتهم العاجزة تنطق بالفرح الداخلي والمجيد. أمّا رؤساء الكهنة والكتبة فقد أُؤتُمنوا على النبوّات وقاموا بشرحها، وجاء المجوس يؤكّدونها، ونظروا المعجزات، لكن قلوبهم المتحجِرة أُغلقت أمام الملك، فامتلت غمًا، وعِوض التسبيح صرخوا غاضبين: "أتسمع ما يقول هؤلاء؟" [16].حقًا لقد أعلن الأطفال ملكوت الله المُفرح بينما كشف رؤساء الكهنة بضيقهم عن ملكوت الشرّ فاقد السلام. يقول الأب موسى: [أينما وُجد ملكوت السماوات فبالتأكيد تكون الحياة الأبديّة بفرح، وحيثما وُجد ملكوت الشيطان فبلا شك يوجد الموت والقبر، ومن يكون في ملكوت الشيطان لن يقدر أن يحمد الله، إذ يخبرّنا النبي، قائلاً: "ليس الأموات يسبّحون الرب، ولا من ينحدر إلى أرض السكوت، أمّا نحن الأحياء الذين نعيش لله وليس للخطيّة أو للعالم فنُبارك الرب من الآن وإلى الدهر. هللويا(مز115: 17-18).]
4. في بيت عنيا
"ثم تركهم وخرج خارج المدينة إلى بيت عنيا،
وبات هناك" [17].
إن رجعنا إلى سفر حزقيال نجد الله يهتمّ بمن يسمِّيهم "البقيَّة" وهم جماعة قليلة أطاعت الرب وسمعت له، يهتمّ الله بها حتى وسط التأديبات القاسية التي خضع لها الشعب بكهنته ورؤسائه. هنا أيضًا إن كانت أورشليم قد ثارت ضدّ السيِّد خلال الكتبة والفرّيسيين والصدّوقيّين مع الكهنة ورؤساء الكهنة، لكنّه وجد موضع راحة في قرية قريبة تُسمى "بيت عنيا"، إنه يهتمّ أن يذهب إلى هذا البيت الذي هو بيت لعازر ومريم ومرثا ليستريح فيه.
"بيت عنيا" يعني "بيت العناء أو الألم". فإن كان العالم يجري وراء الترف واللذّة الزمنيّة فلا يجد الرب راحته إلا في القلب الذي يصير "بيت عنيا"، محتملاً الآلام من أجل الملكوت. لقد خرجت الألوف في أورشليم تستقبل السيِّد، لكنّه لم يجد قلوبًا منفتحة لاستقباله مثل أصحاب هذا البيت!
يُعلّق القدّيس جيروم على ذهاب السيِّد إلى بيت عنيا قائلاً: [كان شديد الفقر بعيدًا كل البعد عن التملُّق فلم يجد في المدينة الكبيرة (أورشليم) مأوى أو مسكنًا، إنّما سكن عند لعازر وأختيْه في بيت صغير جدًا في بيت عنيا.]
5. شجرة التين العقيمة
ما كان يمكن أن تقوم مملكة السيِّد إلا بهدم مملكة الظلمة، لهذا إذ أراد غرس كرمه المقدّس التزم أن يحطَّم التينة العقيمة. حقًا لقد كان للتينة ورقها الجذّاب، يأتي إليها الجائع ظنًا أنه يجد ثمرًا، لكنّه يرجع جائعًا. هكذا كان لليهود ورقهم الأخضر من معرفة عن الله وحفظ للشريعة وتسجيل للنبوّات. لكن مع هذا كلّه لم تكن لهم الحياة الداخليّة التي تقدّم ثمرًا. لقد ارتبطوا بالشكل الخارجي البرّاق دون التمتّع بالأعماق الحيّة، اهتموا بالحرف دون الروح. لذلك فإن ما فعله السيِّد، هو هدم للحرف لإقامة الروح الواهب الحياة.
وقف السيِّد أمام شجرة التين العقيمة فجفَّت بكلمةٍ من فيهِ، وكما يقول القدّيس جيروم: [تبدَّدت ظلمة الليل بأشعة ضوء الصباح.]
ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على لَعن شجرة التين، بقوله:
[أدرك الرب يسوع أن شجرة معيّنة تستحق أن تصير يابسة، إذ لها الورق دون الثمر. هذه الشجرة هي مجمع اليهود... كان لديهم كل كتابات الأنبياء التي لم تكون إلا أوراقًا، والمسيح جائع يطلب ثمرًا فيهم فلا يجد، إذ لم يجد نفسه بينهم. فمن ليس له المسيح ليس له ثمر. من لا يتمسَّك بوحدة المسيح لا يكون له المسيح، وأيضًا من ليس له المحبّة... اسمع الرسول يقول: "وأما ثمر الروح فهو محبّة" (غل 5: 22) مظهرًا عظمة هذا العنقود خلال هذه الثمرة.]
[إننا نجد شجرة التين تُلعن لأن لها ورق بلا ثمر، ففي بداية الجنس البشري لذ أخطأ آدم وحواء صنعا لنفسيهما إزاريْن من أوراق التين (تك3: 7)، هذه التي تُشير إلى الخطايا. نثنائيل أيضًا كان تحت شجرة التين كمن هو تحت ظل الموت، هذا الذي رآه الرب الذي يهتمّ بمن قيل عنهم: "الجالسون في أرض ظلال الموت أشرّق عليهم نور" (إش 9: 2).]
إذ يبست الشجرة تعجّب التلاميذ لهذا، فقال لهم السيِّد: "الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان ولا تشكّون فلا تفعلون أمر التينة فقط، بل إن قلتم أيضًا لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون" [21].وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [إنه قد جفَّت تينة اليهود التي رفضت أن تحمل المسيح فيها ثمرًا حيًا، لهذا يقول الرب "أوصَى الغَيْم أن لا يُمطر عليها مطرًا" (إش 5: 6)، لكن بالإيمان انطلق السيِّد المسيح الجبل الحقيقي وانطرح في بحر الأمم، ليتحقّق القول النبوي "جعلتُك نورًا للأمم ليكون خلاص إلى أقصى الأرض" (إش 49: 6).]
إن كان لنا الإيمان بالمسيح يسوع ربَّنا، فإنه ليس فقط يجفِّف تينتنا العقيمة التي اِحتلَّت مقدِسه في قلوبنا، وإنما يدخل بنفسه إلينا كما ينطرح الجبل في البحر ليكون سرّ خلاص لنا. بالإيمان ننعم بكل شيء في المسيح يسوع مادمنا نناله فينا، وكما يقول القدّيس مار فيلوكسينوس: [الإيمان يعطي الإنسان قوّة إلهيّة فيه، حيث يؤمن أن كل شيء يريده يفعله!]
6. جدال الرؤساء معه
إذ وجَّه السيِّد ضربة لتحطيم مملكة الخطيّة، خاصة الرياء مقيمًا مملكة البرّ، ثار رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، وكأنهم قاموا يدافعون عن الظلمة، إذ سألوه: "بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن أعطاك هذا السلطان؟" [23].ولم يكن هذا التساؤل بقصد التمتّع بالمعرفة الروحيّة لبنيانهم، وإنما بقصد اقتناص الفرصة لمهاجمته، لهذا لم يُجب سؤالهم، إنّما ردّ عليه بسؤال، إذ قال لهم: "وأنا أيضًا أسألكم كلمة واحدة، فإن قلتم لي عنها أقول لكم أنا أيضًا بأي سلطان أفعل هذا. معموديّة يوحنا من أين كانت: من السماء أم من الناس؟" [24-25].
لقد سألوه بمكرٍ: بأي سلطان تفعل هذا؟ وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [إنهم ظنّوا بهذا يجرحون مشاعره ككاسر للناموس الموسوي، إذ لم يكن من سبط لاوي بل من سبط يهوذا، ليس له حق التعليم وشرح الناموس الخ. ولم يُدركوا أنه هو نفسه واضع الناموس.]
أجابهم السيِّد بحكمة، فكتم مكرهم بسؤالهم عن القدّيس يوحنا المعمدان، إذ "فكّروا في أنفسهم قائلين: إن قلنا من السماء، يقول لنا فلماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا من الناس، نخاف من الشعب، لأن يوحنا عند الجميع مثل نبي" [26].
بقدر ما نتقدّم للسيِّد بقلبٍ بسيطٍ ندخل إلى أسراره، إذ يفرح بنا ويقودنا بروحه القدّوس إلى معرفة أسراره غير المُدركة. أمّا من يستخدم مكر العالم فلا يقدر أن يدخل إليه، بل يبقى خارجًا محرومًا من معرفته. لقد فقد الفرّيسيّون والكهنة وشيوخ الشعب بساطتهم، إذ طلبوا مجدهم الذاتي، ممّا دفعهم إلى الخوف من الناس فلم يدخلوا إلى الحق. وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [لاحظ مكر الفرّيسيّين الشديد فقد هربوا من الحق، رفضوا النور، ولم يشعروا بخوف عند اِرتكاب الخطيّة.]
7. مثل الابنين والكرْم
إذ يهدم السيِّد الشرّ يقدّم تبريرًا وتوضيحًا لتصرُّفه، والآن إذ دخل أورشليم وقد هاج الرؤساء الدينيّون عليه قام بتوضيح ضرورة طردهم من الكرم ليقيم غيرهم، قادرين على الرعاية بمفهوم جديد يليق بملكوته.
في المثل الذي بين أيدينا يَظهر رب المجد كرب بيت يسأل ابنيه أن يعملا في كرْمه - أي كنيسته - لحساب ملكوت السماوات، والأول يمثّل الأمم، الذين بدءوا حياتهم برفض العمل، لكنهم ندِموا أخيرًا ومضوا يعملون في الكرْم، أمّا الثاني فيُشير لليهود الذين قالوا "ها أنا يا سيّد" [30]،لكنهم لم يمضوا. حقًا لقد قبل اليهود العمل في الملكوت لكنهم قبلوه بالكلام دون العمل، لذلك طَردوا أنفسهم بأنفسهم من الكرْم، ليتركوا مكانهم للأمم الذين لم يسمعوا لله أولاً لكنهم عادوا ليُطيعوه. ما أصعب على نفس هؤلاء المؤتمنين على كلمة الله أن يتركوا الكراسي - بسبب عدم إيمانهم بالحق - للعشّارين والزواني الذين سبقوهم إلى ملكوت الله بالإيمان.
8. مثل الكرّامين الأشرار
لخّص السيِّد تاريخ الخلاص كلّه في هذا المثل، فيه أوضح محبّة الله المترفّقة، إذ غرس كرمًا وأحاطه بسياج، وحفر فيه معصرة، وبنى برجًا، وسلّمه إلى كرّامين، وسافر. لقد ائتمنهم على الكرم بعد أن قدّم لهم كل الإمكانيّات للعمل، لكن إذ أرسل عبيده يطلب ثمرًا، جلَد الكرّامون بعضهم، وقتلوا بعضًا، ورجموا بعضًا. وتكرّر الأمر في دفعة أخرى، وأخيرًا "أرسل إليهم ابنه قائلاً: يهابون ابني. وأما الكرّامون فلما رأوا الابن قالوا بينهم: هذا هو الوراث، هلمّوا نقتله، ونأخذ ميراثه. فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه" [37-39].
في المثل السابق ظهر اليهود كأصحاب كلام بلا عمل، ففقدوا مركزهم ليحل محلَّهم من بالعمل أعلنوا ندمِهم على ماضيهم. أمّا هنا فالسيِّد يكشف لهم أنهم عبر التاريخ كلّه لم يكونوا فقط غير عاملين، وإنما مضطهِدين لرجال الله في أعنف صورة، حتى متى جاء ابن الله نفسه الوارث يُخرجونه خارج أورشليم ليقتلوه!
لقد أصدر الحكم عليهم من أفواههم، إذ سألهم: "فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرّامين؟" قالوا له "أولئك الأردياء يهلكهم هلاكًا رديًا، ويسلّم الكرْم إلى كرّامين آخرين، يعطونه الأثمار في أوقاتها" [40-41] وختم السيِّد على الحكم بقوله: "أمَا قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البنّاؤون هو قد صار رأس الزاوية، من قِِبَل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا. لذلك أقول لكن إن ملكوت الله يُنزع منكم ويعطي لأُمَّة تعمل أثماره. ومن سقط على هذا الحجر يترضَّض، ومن سقط هو عليه يسحقه" [42-44]. هكذا بلغ بهم السيِّد إلى النتيجة، ألا وهي الحاجة إلى هدْم البناء القديم ليقوم ملكوت الله على أساس جديد.
ما هو الحجر المرفوض؟ قيل أنه عند بناء هيكل سليمان وَجد البنّاؤون حجرًا ضخمًا، فظنّوا أنه لا يصلح لشيءٍ فاحتقروه، ولكن إذ احتاجوا إلى حجر في رأس الزاوية لم يجدوا حجرًا يصلح مثل ذلك الحجر المُحتقر. وكان ذلك رمزًا للسيِّد المسيح الذي احتقره رجال الدين اليهودي، ولم يعلموا أن الحجر الذي يربط بين الحائطين في الهيكل الجديد، يضم فيه من هم من اليهود ومن هم من الأمم، ليصير الكل أعضاء في الملكوت الجديد.
شرح القدّيس كيرلّس الكبير هذا المثل في شيء من التفصيل، إذ قال: [إن كان أحد يفحص مدلول ما قيل هنا بعينيّ الذهن الفاحصين يجد كل تاريخ بني إسرائيل مختصرًا في هذه الكلمات. فمن هو الذي غرس الكرم، وماذا يُفهم بالكرم المغروس قد أوضحه المرتّل بقوله عن الإسرائيليّين... "كرمَة من مصر نُقلت، طَردت أُممًا وغرستْها، هيَّأت قدامها فأصَّلت أصولها فملأت الأرض" (مز 80: 8-9). ويُعلن النبي الطوباوي إشعياء ذات الأمر بقوله: "كان لحبيبي كرْم على أَكَََمَة خصبة" (إش 5: 1)، ويتحدّث بأكثر قوّة موضّحًا ما سبق أن قيل بطريقة غامضة: "إن كرم رب الجنود هو بيت إسرائيل وغرس لذّته رجال يهوذا" (إش 5: 7). إذن الله هو غارس الكرم، سافر لمدة طويلة. إن كان الله يملأ الكل وليس غائبًا عن أي كائن بل هو موجود، فكيف سافر صاحب الكرم زمانًا طويلاً؟ هذا يعني أنهم بعد أن رأوه في شكل نار عند نزوله على جبل سيناء مع موسى الذي تكلم معهم بالشريعة كوسيطٍ، لم يعد يهبهم حضرته بطريقة منظورة، وإنما استخدم التشبيهات مأخوذة عن الأعمال البشريّة، فكانت علاقته بهم علاقة من هو سافر عنهم في رحلة بعيدة.
إذن كما قلت، لقد سافر ومع هذا كان مهتمّا بكرْمه، يشغِل ذهنه. وإذ أرسل لهم خدّامًا أمناء على مراحل ثلاث مختلفة ليطلب المحصول أو الفاكهة من مخازن كرْمه. لم يترك فترة فاصلة بين هذه المراحل لم يُرسل الله فيها أنبياء أو أبرارًا ينصحون إسرائيل ويَحثّونه على تقديم ثمار حسب الشريعة لأمجاد الحياة. لكنهم كانوا أشرّارًا وعصاه ومتحجّري القلب، وكانت قلوبهم قاسية لا تقبل النصيحة حتى أنهم لم يصغوا للكلمة التي تنفعهم. فنرى إشعياء النبي وهو شخص يمكن القول إنه ذاب من كثرة الأتعاب والمشقّات بلا نفع، قائلاً: "يا رب من صدّق خبرّنا" (إش 53: 1). فبتجاهلهم للمرسلين إليهم "أرسلوهم فارغين" (لو 20: 10)، إذ لم يكن لهم من شيء صالح يقدّمونه لله مُرسلهم. وقد وبّخ إرميا أيضًا جموع اليهود مع حكّامهم بسبب عجرفتهم، وأنذره قائلاً: "من أُكلِّمه وأُنذره فيسمع؟! ها إن أُذنهم غلْفاء فلا يقدرون أن يَصغوا. ها إن كلمة الرب قد صارت لهم عارًا لا يُسرُّون بها" (إر6: 10). وفي موضع آخر يحدّث أورشليم هكذا: "داويْنا بابل فلم تُشفَ، دعوهما ولنذهب كل واحد إلى أرضه، لأن قضاءها وصل إلى السماء" (إر 51: 9). وكما قلت أنه يدعو أورشليم بابل، لأنها لا تختلف عن فارس (عاصمتها بابل) في عصيانها وارتدادها، ولأنها لم ترد أن تخضع للشرائع المقدّسة. وأيضًا ربّما لأنها صارت محتقرة، لأن ليس لها معرفة الله، إذ اختارت أن تتعبّد للخليقة دون الخالق ولعمل يديها، لأن إسرائيل كان مخطئًا بالارتداد عن الإيمان وعبادة الأوثان. هذا هو الطريق الذي به يطردون المرسلين إليهم بخزي.
إذ تأمّل رب الكرْم مع نفسه قال: "ماذا أفعل؟!" (لو 20: 13). ويليق بنا أن نفحص بدقّة معنى هذا القول. هل يستخدم صاحب الكرْم هذه الكلمات، لأنه لم يعد له خدّام آخرين؟ بالتأكيد لا، فإن الله لا ينقصه خدّام لتحقيق إرادته المقدّسة. لكنّه كطبيب يقول للمريض: ماذا أفعل؟ من هذا نفهم أن الطبيب قد استخدم كل مصدر للفن الطبّي ولكن بلا نفع. لهذا نؤكد أن رب الكرْم قد مارس كل رقَّة ورعاية مع كرْمه، لكنّه دون أن ينتفع الكرْم بشيء، لهذا يقول: ماذا أفعل؟ وما هي النتيجة؟ لقد أراد أن يحقّق هدفًا أعظم إذ قال "أرسل ابني الحبيب، لعلّهم إذ رأوه يهابونه". فبعد إرساله الخدّام أرسل الابن كواحد لا يُحصى بين الخدّام إذ هو الرب والابن الحقيقي. إن كان قد أخذ شكل العبد من أجل التدبير لكنّه هو الله، ابن الله الآب نفسه، له سلطان طبيعي. فهل كرّم هؤلاء ذاك الذي جاء بكونه الابن والرب والمالك، بكونه وارثًا كل ما يخصّ الله الآب؟! لا، بل قتلوه خارج الكرْم، وقد دبّروا فيما بينهم عملاً غبيًا مملوء جهالة وشرًا، قائلين: "هلمّوا نقتله لكي يصير لنا الميراث". لكن اخبرني، كيف نقبل هذا؟ هل أنت ابن الله الآب؟ هل يكون لك الميراث طبيعيًا؟ إن كنت تطرد الوارث بعيدًا عن الطريق، فكيف تصير أنت ربًا تطمع في الميراث؟! كيف لا يكون هذا أمرًا مضحكًا وسخيفًا؟! فالرب بكونه الابن وكوارثٍ حقيقيٍ له السلطان لدى الآب قد صار إنسانًا، دعا الذين آمنوا به إلى شركة مملكته فيكون مالكًا معهم، أمّا هؤلاء فقد أرادوا نوال المملكة بمفردهم دونه، مغتصبين لأنفسهم الميراث الربّاني. هذا الهدف كان مستحيلاً ومملوء جهالة، لذلك يقول عنهم الطوباوي داود في المزامير: "الساكن في السموات يضحك بهم والرب يستهزئ بهم" (مز 2: 4). ولهذا طرد رؤساء مجمع اليهود بسبب مقاومتهم إرادة الله، مطالبًا إيّاهم بتسليم الكرْم الذي أُؤتُمنوا عليه ولم يُثمر. لقد قال الله في موضع آخر: "رعاة كثيرون أفسدوا كرمي، داسوا (دنّسوا) نصيبي، جعلوا نصيبي المشتهَى برّيّة خربة، جعلوه خرابًا" (إر 12: 10). وقيل على لسان إشعياء: "قد اِنتصب الرب للمخاصمة وهو قائم لدينونة الشعوب، الرب يدخل في المحاكمة مع شيوخ شعبه ورؤسائهم، وأنتم قد أكلتم (حرقتم) الكرم" (إش 3: 13-14). فإذ ردُّوا الأرض بلا ثمر كأشرار، فإنهم بعدلٍ يسقطون تحت ضيقات قاسية بسبب إهمالهم وقتلهم للرب.
"ويعطي الكرم لآخرين"، من هم هؤلاء الآخرون؟ أجيب إنهم جماعة الرسل القدّيسين، والمبشّرون بالوصايا الإنجيليّة وخدّام العهد الجديد. الذين يعرفون كيف يهذّبون الناس بطريقةٍ لائقةٍ بلا لومٍ، ويقودونهم في كل شيء بما يَسُر الله بطريقة رائعة. هذا ما تتعلَّمه من قول الله على لسان إشعياء لأُمَّة اليهود أي مجمعهم: "وأرُد يدي عليكِ... وابحث عنك لأُنقّيكِ والذين لا يطيعونني يهلكون، وأنزع عنكِ فاعلي الشرّ وأخضع المتعجرفين، وأعيد قُضاتك كما في الأول ومشيريكِ كما في البداءة" (إش 1: 25) الخ. وكما قلت يُشير بهذا إلى مبشري العهد الجديد الذين قيل عنهم في موضع آخر في إشعياء: "أمّا أنتم فتُدعون كهنة الرب، تُسمُّون خدّام الله"(61: 6). أما كون الكرْم قد أُعطيَ لكرّامين آخرين، ليس فقط للرسل القدّيسين، وإنما أيضًا للذين جاءوا بعدهم، وإن كانوا ليسوا من دم إسرائيلي، فهذا يعلنه إله الجميع بقوله على لسان إشعياء عن كنيسة الأمم وعن بقيّة إسرائيل: "ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حُرَّاثيكم وكرَّاميكم" (إش 61: 5). فإنه بحق كثير من الأمم حُسِبوا كقدّيسين، وقد صاروا معلِّمين ومدرِّبين، وإلى الآن يوجد رجال من أصل أممي يحتلُّون مراكز كبرى في الكنائس يبذرون بذار التقوى التي للمسيح في قلوب المؤمنين ويردُّون الأمم الذين أُؤتُمنوا عليهم ككروم جميلة في نظر الله.]
ويُعلّق القدّيس كيرلّس أيضًا على كلمات السيِّد عن نفسه أنه الحجر المرفوض، هكذا: [المخلّص هو الحجر المختار وقد رذَله هؤلاء الذين كان يجب عليهم بناء مجمع اليهود، وقد صار رأس الزاوية. يشبِّهَه الكتاب المقدّس بحجر زاوية، لأنه يجمع الشعبين معًا: إسرائيل والأمم في إيمان واحد وحب واحد (أف2: 15).]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:44 pm

9. إدراك الرؤساء أمثلته
"ولما سمع رؤساء الكهنة والفرّيسيّون أمثاله
عرفوا أنه تكلَّم عليهم.
وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه،
خافوا من الجموع،
لأنه كان عندهم مثل نبي" [45-46].
لقد أدرك رؤساء الكهنة والفرّيسيّون كلمات الرب بعقولهم لكنهم لم يقبلوها بروح الحب والبنيان، وعِوض أن يقدّموا توبة عما ارتكبوه فكّروا في الانتقام منه.
1 و لما قربوا من اورشليم و جاءوا الى بيت فاجي عند جبل الزيتون حينئذ ارسل يسوع تلميذين
2 قائلا لهما اذهبا الى القرية التي امامكما فللوقت تجدان اتانا مربوطة و جحشا معها فحلاهما و اتياني بهما
3 و ان قال لكما احد شيئا فقولا الرب محتاج اليهما فللوقت يرسلهما
4 فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل
5 قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك ياتيك وديعا راكبا على اتان و جحش ابن اتان
6 فذهب التلميذان و فعلا كما امرهما يسوع
7 و اتيا بالاتان و الجحش و وضعا عليهما ثيابهما فجلس عليهما
8 و الجمع الاكثر فرشوا ثيابهم في الطريق و اخرون قطعوا اغصانا من الشجر و فرشوها في الطريق
9 و الجموع الذين تقدموا و الذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين اوصنا لابن داود مبارك الاتي باسم الرب اوصنا في الاعالي
10 و لما دخل اورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة من هذا
11 فقالت الجموع هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل
12 و دخل يسوع الى هيكل الله و اخرج جميع الذين كانوا يبيعون و يشترون في الهيكل و قلب موائد الصيارفة و كراسي باعة الحمام
13 و قال لهم مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى و انتم جعلتموه مغارة لصوص
14 و تقدم اليه عمي و عرج في الهيكل فشفاهم
15 فلما راى رؤساء الكهنة و الكتبة العجائب التي صنع و الاولاد يصرخون في الهيكل و يقولون اوصنا لابن داود غضبوا
16 و قالوا له اتسمع ما يقول هؤلاء فقال لهم يسوع نعم اما قراتم قط من افواه الاطفال و الرضع هيات تسبيحا
17 ثم تركهم و خرج خارج المدينة الى بيت عنيا و بات هناك
18 و في الصبح اذ كان راجعا الى المدينة جاع
19 فنظر شجرة تين على الطريق و جاء اليها فلم يجد فيها شيئا الا ورقا فقط فقال لها لا يكن منك ثمر بعد الى الابد فيبست التينة في الحال
20 فلما راى التلاميذ ذلك تعجبوا قائلين كيف يبست التينة في الحال
21 فاجاب يسوع و قال لهم الحق اقول لكم ان كان لكم ايمان و لا تشكون فلا تفعلون امر التينة فقط بل ان قلتم ايضا لهذا الجبل انتقل و انطرح في البحر فيكون
22 و كل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه
23 و لما جاء الى الهيكل تقدم اليه رؤساء الكهنة و شيوخ الشعب و هو يعلم قائلين باي سلطان تفعل هذا و من اعطاك هذا السلطان
24 فاجاب يسوع و قال لهم و انا ايضا اسالكم كلمة واحدة فان قلتم لي عنها اقول لكم انا ايضا باي سلطان افعل هذا
25 معمودية يوحنا من اين كانت من السماء ام من الناس ففكروا في انفسهم قائلين ان قلنا من السماء يقول لنا فلماذا لم تؤمنوا به
26 و ان قلنا من الناس نخاف من الشعب لان يوحنا عند الجميع مثل نبي
27 فاجابوا يسوع و قالوا لا نعلم فقال لهم هو ايضا و لا انا اقول لكم باي سلطان افعل هذا
28 ماذا تظنون كان لانسان ابنان فجاء الى الاول و قال يا ابني اذهب اليوم اعمل في كرمي
29 فاجاب و قال ما اريد و لكنه ندم اخيرا و مضى
30 و جاء الى الثاني و قال كذلك فاجاب و قال ها انا يا سيد و لم يمض
31 فاي الاثنين عمل ارادة الاب قالوا له الاول قال لهم يسوع الحق اقول لكم ان العشارين و الزواني يسبقونكم الى ملكوت الله
32 لان يوحنا جاءكم في طريق الحق فلم تؤمنوا به و اما العشارون و الزواني فامنوا به و انتم اذ رايتم لم تندموا اخيرا لتؤمنوا به
33 اسمعوا مثلا اخر كان انسان رب بيت غرس كرما و احاطه بسياج و حفر فيه معصرة و بنى برجا و سلمه الى كرامين و سافر
34 و لما قرب وقت الاثمار ارسل عبيده الى الكرامين لياخذ اثماره
35 فاخذ الكرامون عبيده و جلدوا بعضا و قتلوا بعضا و رجموا بعضا
36 ثم ارسل ايضا عبيدا اخرين اكثر من الاولين ففعلوا بهم كذلك
37 فاخيرا ارسل اليهم ابنه قائلا يهابون ابني
38 و اما الكرامون فلما راوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله و ناخذ ميراثه
39 فاخذوه و اخرجوه خارج الكرم و قتلوه
40 فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل باولئك الكرامين
41 قالوا له اولئك الاردياء يهلكهم هلاكا رديا و يسلم الكرم الى كرامين اخرين يعطونه الاثمار في اوقاتها
42 قال لهم يسوع اما قراتم قط في الكتب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار راس الزاوية من قبل الرب كان هذا و هو عجيب في اعيننا
43 لذلك اقول لكم ان ملكوت الله ينزع منكم و يعطى لامة تعمل اثماره
44 و من سقط على هذا الحجر يترضض و من سقط هو عليه يسحقه
45 و لما سمع رؤساء الكهنة و الفريسيون امثاله عرفوا انه تكلم عليهم
46 و اذ كانوا يطلبون ان يمسكوه خافوا من الجموع لانه كان عندهم مثل نبي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:47 pm

الأصحاح الثاني والعشرون
مقاومو الملكوت
إذ كانت الأيام تقترب جدًا ليتمجّد السيِّد على الصليب، معلنًا ملكوته السماوي الداخلي، كان العدوّ يقاوم بعنفٍ، مكثّفًا كل الطاقات للعمل ضدّ الملكوت.
1. المدعوُّون المعتذرون 1-14.
2. سؤاله بخصوص الجزية 15-22.
3. سؤاله بخصوص القيامة 23-33.
4. سؤاله عن الوصيّة العُظمى 34-40.
5. السيِّد يسألهم عن نفسه 41-46.
1. المدعوُّون المعتذرون
يقدّم لنا السيِّد المسيح ملكوت السماوات بكونه عُرسًا صنعه ملك لابنه، ومع ذلك كان العرس ثقيلاً على المدعوّين "الذين لم يريدوا أن يأتوا" [3]. إنهم لم يكونوا مدعوّين للمشاركة من بعيد كمتفرجين ولا مجرّد أصدقاء، وإنما كعروس تتَّحد بالابن العريس على مستوى أبدي. إنها دعوة للدخول للفرح الدائم بلا انقطاع. لكن النفس من أجل بؤسها الداخلي ترفض الفرح لتعيش في غمٍ نابع لا عن ظروف خارجيّة، وإنما عن قلب مغلق لا يريد أن ينفتح للرب واهب السلام والفرح.
هذا المثل كما يقدّمه لنا السيِّد المسيح ينطبق على اليهود خاصة القادة، الذين رفضوا ملكوت المسيّا السماوي، وهو بطريق أو آخر ينطبق على كل نفسٍ ترفض ملكوته الحقيقي في داخلها.
العُرس الملوكي
وجعل يسوع يكلّمهم أيضًا بأمثال، قائلاً:
يشبه ملكوت السماوات إنسانًا ملكًا صنع عرسًا لابنه.
وأرسل ليدعو عبيده المدعوّين إلى العرس،
فلم يريدوا أن يأتوا"[1-3].
ما هو هذا الملكوت السماوي إلا الكنيسة التي في حقيقتها هي عرس دائم، فقد أقامها الآب لابنه ينعم بها، وتنعم هي بحلوله في وسطها، وبإتكائها على صدره، تتقبّل منه أسرار أبيه، وتتمتّع بإمكانيّاته الإلهيّة، حتى ترتفع به وفيه إلى حضن أبيه، تنعم بشركة أمجاده.
هذا هو العرس الذي اشتهى الآباء والأنبياء أن ينعموا به إذ رأوه من بعيد خلال الرموز والنبوّات حتى جاءت القدّيسة العذراء تحني رأسها بالطاعة والخضوع لله أمام الملاك جبرائيل، قائلة: "ليكن لي كقولك" (لو 1: 38)، فقبلت العُرس في داخلها. وكما يقول الأب غريغوريوس (الكبير): [يمكننا بوضوح وثقة أن نقول بأن الآب صنع للملك ابنه العُرس خلال سرّ التجسّد، حيث التصقت به الكنيسة المقدّسة، وكانت أحشاء العذراء الأم هي حجال العُرس... لهذا يقول المرتّل: "جعل في الشمس مظلَّته، مثل العريس الخارج من خدره" (راجع مز 18: 6). إنه مثل العريس الخارج من خدره، لأن الله المتجسّد خارج من أحشاء العذراء غير الدنسة ليتَّحد بالكنيسة.]
حقًا إن الآب القدّوس الذي أرسل روحه إلى الأحشاء البتوليّة ليتمّم التجسّد الإلهي بحلول الكلمة الإلهي فيها، مقدّمًا للبشريّة العريس الحقيقي، مشتهى الأمم، هذا الذي رفضه اليهود، يودّ أن يجعل من كل مؤمن ملكوتًا سماويًا بحلول العريس في داخله، يُقيم فيه عرسًا روحيًا وفرحًا سماويًا لا يقدر العالم أن ينزعه! لقد بدأ السيِّد خدمته بدخوله عرس قانا الجليل ليقدّسه معلنًا أن رسالته تنطلق بدخوله إلينا ليقيم عرسنا الداخلي متقدّما كعريس أبدي، قادر وحده أن يتّحد بنا ويقدّسنا ويكشف لنا أسراره الإلهيّة الفائقة. حقًا إن دعوته لنا، إنّما هي دعوة لقبوله عريسًا أبدياً مشبع لنفوسنا!
إرسال العبيد
إن كان لا يمكن لعريسٍ أن يغتصب قلب من يطلبها كعروسٍ له بغير إرادتها؛ حتى إن أمكنه ذلك، فإنه لن يستريح ما لم ينبع حبّها له من قلبها بكامل حريَّتها، هكذا لا يريد السيِّد أن يغتصب قلوب شعبه بغير إرادتهم، إنّما يكتفي بتكرار الدعوة وإعلان فيض محبّته العمليّة نحوهم، مقدّمًا لهم وعوده الأبديّة، تاركًا لهم كامل الحرّية أن يقبلوه أو يرفضوه!
يقول السيِّد أنه أرسل عبيده، وإذ رفضوا عاد فأرسل عبيدًا آخرين [4]، فأمسكوهم وشتموهم وقتلوهم [6]. بالنسبة لليهود العبيد الأوّلون هم الآباء الأوّلون كإبراهيم واسحق ويعقوب الذين نالوا الوعد ووضعوا ملامح الطريق الملوكي، حتى قال السيِّد "أبوكم إبراهيم تهلّل بأن يرى يومي فرأى وفرح" (يو 8: 56). لكن اليهود لم يسمعوا لهم ولا سلكوا على منوالهم إذ يوبّخهم السيِّد: "لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم" (يو 8: 39). وعِوض أن يفرحوا كأبيهم بيوم مجيئه رفضوا وقاوموا عمله الإلهي. أمّا العبيد الآخرون فهم الأنبياء الذين رسموا بكل وضوح خلال النبوّات كل ما يخصّ المسيّا الملك في تفاصيل كثيرة، لكن قتلة الأنبياء (مت 23: 37) يرفضون قبول نبواتهم عمليًا. وكما قتل آباؤهم الأنبياء ها هم يريدون أن يقتلوا من تنبَّأوا عنه.
يرى القدّيس هيلاري أسقف بواتييه أن العبيد الآخربن هم الرسل الذين جاءوا يعلنون لليهود العرس الذي تحدّث عنه أنبياؤهم، لكنهم رفضوه وجاء تلاميذهم أي خلفهم يكرّرون الدعوة.
ما فعله السيِّد مع اليهود فعله معنا جميعًا، فإنه لا يمل من إرسال عبيد لدعوتنا لهذا العرس بكل طريقة لكي نقبَّله عاملاً فينا. يدعونا خلال خدّامه وإنجيله والأحداث المحيطة بنا، ويتّكلم بروحه فينا. إنه "واقف على الباب يقرع" ينتظر أن ندخل به إلى قلبنا كما إلى جنّته، نجلس فيها سويًا، وننعم بالاتّحاد معه!
الدعوة
كانت ولا تزال دعوته إلينا خلال عبيده: "هوذا غذائي أعددته، ثيراني ومسمّناتي قد ذُبحت، وكل شيء مُعد؛ تعالوا إلى العرس" [4].
إنها دعوة إلهيّة: "تعالوا إلى العرس"، تحمل قوّة وسلطانًا تقدر أن تجتذب القلب إلى العريس ليتَّحد معه ويكون معه واحدًا، لكن دون إلزام أو إجبار. وقد دفع العريس ثمن الدعوة بقوله: "هوذا غذائي أعددته، ثيراني ومُسمَّناتي قد ذُبحت، وكل شيء مُعد". تكلفة الدعوة هي حياته التي بذلها لمصالحتنا مع أبيه صاحب الدعوة، مقدّمًا لنا جسده ودمه المقدّسين طعامًا وشرابًا روحيًا لوليمة الملكوت الجديد. لقد صار كل شيء معدًا لدخولنا إلى الوليمة المقدّسة التي هي في جوهرها ارتفاع إلى الحياة السماويّة، فقد أرسل لنا روحه القدّوس في كنيسته، عمله أن ينطلق بكل نفس خلال التوبة إلى الحضرة الإلهيّة، ويرتفع بها من مجدٍ إلى مجدٍ، ليدخل بها إلى الهيكل الإلهي لتشارك الملائكة ليتورجيَّاتهم وتسابيحهم وتفتح فاهها لتتقبّل عريسها في داخلها سرّ فرح أبدي لا ينقطع. هكذا ينشغل الثالوث القدّوس بهذا العرس، فالآب هو صاحب الدعوة، والابن هو العريس الذي يدفع تكلفة العرس، والروح القدس هو الذي يعمل فينا ليهيئنا للعرس.
ما هي هذه الوليمة التي أُعدَّت إلا تحقيق النبوّات بتقديم السيِّد المسيح عمله الخلاصي خلال الصليب، ذبيحة سرور ورضا لدى الآب وشبع للنفس البشريّة. لهذا يقول:"ثيراني ومُسمَّناتي قد ذُبحت، وكل شيء مُعد" [4].لقد أُعدَّت المائدة المشبعة لله والناس!
يرى العلاّمة أوريجينوس أن هذه المائدة الإلهيّة هي كلمة الله، فالثيران المذبوحة إنّما هي منطوقات الله العظيمة المُعدة لنا كطعامٍ روحيٍ، والمسمنات هي كلماته العذبة الشهيَّة. كأنه بمجيء الكلمة المتجسّد وارتفاعه على الصليب دخل بنا إلى سرّ الكلمة لنكتشف عظمتها ودسمها.
ويرى القدّيس هيلاري أسقف بواتييه أن الثيران إنّما ترمز للشهداء الممجَّدين الذين شهدوا للرب مقدِّمين حياتهم ذبائح مختارة، والمُسمنات تُشير إلى الروحيّين الذين ينتعشون بالخبز السماوي ليحلِّقوا كالطيور، فيقدّمون كشبع للآخرين من الدسم الذي أكلوه. وكأننا إذ ننعم بملكوت السماوات خلال عضويّتنا الحقيقية للكنيسة المقدّسة ندخل إلى الوليمة التي تشبعنا، هذه التي قدّم الشهداء حياتهم ثمنًا للشهادة، والروحيّون جهادهم الدسم ثمنًا لحبّهم لمن فداهم. حقًا إن دماء الشهداء وجهاد الروحيِّين لا يضيع بل يبقى رصيدًا تعيش عليه الأجيال، لا لينتهي، إنّما ليضيفوا إليه أرصدة جديدة بشهادتهم وجهادهم القانوني. لهذا تترنَّم الكنيسة في ختام ثيؤطوكيَّات الواطس: "يأتي الشهداء حاملين عذاباتهم، ويأتي الصدّيقون حاملين فضائلهم، ويأتي ابن الله في مجده ومجد أبيه".
قابلو الدعوة ورافضوها
هذه الوليمة كما يكشفها لنا الوحي الإلهي في سفر الأمثال، تقدَّم لا للحكماء المتَّكلين على فهمهم، وإنما للذين هم في الشوارع والطرقات، يجوعون للحكمة الإلهيّة ويعطشون. لمثل هؤلاء تُقدّم الوليمة فيتناولوا الذبيحة المقدّسة، وينعموا بخمر الفرح الأبدي، فتبني الحكمة بيتها فيهم، بل يصيرون هم أنفسهم بيت الحكمة، حيث يسكن السيِّد المسيح، الحكمة ذاته، فيهم. جاء في سفر الأمثال: "الحكمة بنت بيتها، نحتت أعمدّتها السبعة، ذبحت ذبْحها، مزجت خمرها، أيضًا رتَّبت مائدتها، أرسلت جواريها تنادي على ظهور أعالي المدينة: من هو جاهل فلْيَمل إلى هنا، والناقص الفهم قالت له: هلمّوا كلوا من طعامي واشربوا من الخمر التي مزجتها، اُتركوا الجاهلات فتحيوا وسيروا في طريق الفهم" (أم 9: 1-6).
إنها دعوة للعطاش إلى الحكمة، يُحرم منها من يظن في نفسه أنه في حالة شبع؛ دعوة للخطاة الراجعين، ينعمون بها أكثر ممن يظنّون في أنفسهم أنهم أبرار. فقد أقيمت الوليمة للابن الضال كطلب الآب المحب: "اِخرجوا الحُلًَّة الأولى وأَلبسوه، واجعلوا خاتمًا في يده وحذاء في رجليه، وقدّموا العجل المسمَّن واذبحوه، فنأكل ونفرح، لأن ابني هذا كان ميّتًا فعاش، وكان ضالاً فوُجد، فابتدأوا يفرحون" (لو 15: 22-24). أمّا الابن الأكبر، وإن كان لم يفعل ما ارتكبه أخوه، لكنّه وقف خارجًا حزينًا من أجل الوليمة المقامة والفرح الذي يملأ بيت أبيه.
في المثال الذي قدَّمه السيِّد يُظهر المدعوين متهاونين بالوليمة كالابن الأكبر السابق ذكره، إذ يقول: "ولكنهم تهاونوا ومضوا واحد إلى حقله وآخر إلى تجارته. والباقون أمسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم" [5--6].إنهم بالفعل هم الابن الأكبر، إذ هم جماعة اليهود الذين سبقوا الأمم في معرفة الله ولم يصنعوا شرورًا كالابن الأكبر أي الأمم، لكنهم لم ينعموا بالوليمة التي قُدّمت للابن الأصغر. لقد "تهاونوا" معتمدين على بنوَّتهم لإبراهيم ونوالهم الناموس والوعود وتمتّعهم بالنبوّات. "ومضوا واحد إلى حقله وآخر إلى تجارته". عاد الشعب إلى حقله، أي إلى الانشغال بالأمور الزمنيّة، والكهنة إلى تجارتهم أي إلى الهيكل يمارسون فيه "التجارة بالدين" عِوض العبادة الروحيّة. هكذا تركوا "المسيح" العريس ووليمته السماويّة لينشغلوا بالأمور الأرضيّة.
مساكين هم هؤلاء المتهاونون بالوليمة، واحد منهم يُحرم منها بسبب حقله أي ذاته أو الأنا ego التي تثْقل نفسه فيبقى مرتبطًا بالحقل الذي يظنُّه باقيًا له إلى الأبد، أي يرتبط بالأرض ولا يقدر أن يرتفع إلى السماويات. هكذا تربطه الأنا بما هو حوله، فلا يقدر أن يتبرّر ليرتفع فوقها ويتّسع قلبه فوق حدودها! وآخر يُحرم من الوليمة من أجل تجارته، فتتحوّل العبادة إلى بيع وشراء من أجل الأنا أيضًا كما في الهيكل في أيام السيِّد المسيح، فيكون قلبه مركزًا للأعمال البشريّة لحساب مكاسب زمنيّة ومديحٍ زمنيٍ عِوض الأمجاد الأبديّة والأفراح الإلهيّة الدائمة، أمّا الثالث فيُحرم من العرس بسبب حبّه للشر، فيقابل العبيد المرسلين إليه للدخول إلى الوليمة بالسب والشتم بل والقتل، كأنما يتقدّمون إليه بأذيَّته. هكذا القلب الشرّير خلال البصيرة المظلمة يرى حتى الدعوة إلى العرس شرًا يقاومه بالشرّ!
يا للعجب! عندما يدعو الله الن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:47 pm

يا للعجب! عندما يدعو الله الناس للفرح الأبدي يتذمَّرون ويرفضون، بل ويتطاولون على خدّامه بالسب والقتل. وعندما يطلب منهم النوح للتوبة يفرحون ويتهلّلون حسب أهواء قلبهم الشرّير. يقول إشعياء النبي: "ودعا السيِّد رب الجنود في ذلك اليوم إلى البكاء والنوح والقرعة والتنطُّق بالمسح، فهوذا بهجة وفرح وذبح ونحر غنم، أكل لحم وشرب خمر، لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت" (إش 22: 12-13). لهذا يقول السيِّد الرب: "بمن أشبِّه هذا الجيل؟! يشبه أولادًا جالسين في الأسواق ينادون إلى أصحابهم ويقولون: زمّرنا لكم فلم ترقصوا، نُحنا لكم فلم تلطِموا" (مت 11: 16-17). يدعوهم للعرس فيأبون الحضور، ويسألهم النوح على خطاياهم فيرفضون. لهذا يُعلن السيِّد غضبه على هذا الشعب الرافض الدعوة، مقدّمًا إيّاهم للأمم إذ يقول: "فلما سمع الملك غضب وأرسل جنوده وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم. ثم قال لعبيده: أمّا العرس فمستعد، وأمّا المدعوُّون فلم يكونوا مستحقِّين. فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدّتموه فادعوه إلى العرس" [7-9].
لقد غضب الملك من أجل مقاومي الملكوت الذين كان يجب أن يفرحوا بالدعوة ويكرزون بها، فصاروا رافضين لها، بل ومضطهدين للداعين إليها. لقد ألزموا الملك المسيّا أن يرفضهم، فتنفتح أبواب عرسه للأمم الذين يتشبَّهون بملكة سبَأْ التي سمعت بخبر سليمان لمجد الرب (1 مل 10: 1) فأسرعت إليه تسمع حكمته. يقول الوحيّ: "فأتت إلى أورشليم بموكبٍ عظيمٍ جدًا، بجمال حاملة أطيابًا وذهبًا كثيرًا جدًا وحجارة كريمة، وأتت إلى سليمان وكلّمته بكل ما كان بقلبها، فأخبرها سليمان بكل كلامها. لم يكن أمر مخفيًا عن الملك لم يخبرها به" (1مل10: 2-3). جاءت الأُمميَّة إلى أورشليم قاتلة الأنبياء، وارتفعت بقلبها نحو مدينة الملك العظيم، نحو السماء عينها، جاءت منطلقة بموكب عظيم جدًا تحت قيادة روح الله القدّوس، لتلتقي بسليمان الحقيقي واهب الحكمة وكاشف القلوب، الذي لا يُخفي عنه شيء. جاءت تُمثِّل كنيسة الأمم التي تقدّمت بجمالها، المحمَّلة بالأطياب والذهب الكثير جدًا والحجارة الكريمة. ما هذه الأطياب إلا مشاعر الحب التي كانت قبلاً مُمتصَّة بالكامل في الشهوات، فصارت الآن تحمل رائحة المسيح الذكية؟! والذهب الذي كان يستخدم في صنع الأصنام والآلهة الوثنيّة، وقد صار رمزًا للحياة الجديدة السماويّة وقبول ملكوت المسيح فينا؟! والحجارة الكريمة التي كانت لزينة الهياكل الوثنيّة وملابس الكهنة الوثنيّين، قد صارت الآن رمزًا للمسيح نفسه "اللؤلؤة كثيرة الثمن" (مت 13: 46)، ولأبواب أورشليم العليا وأساستها (رؤ 21: 19، 21)!
كانت الأمم تعيش في الحياة المترفة المملوءة بالنجاسات، وكان الغنى عائقًا لها عن معرفة الله، كالجمل الذي لا يدخل من ثقب إبرة (مت 19: 24). لكنها إذ قبلت الكرازة بالإنجيل استطاع الجمل أن يحمل كل إمكانيّاتها مقدّسة للرب، فيعبُر بها خلال الباب الضيق "ثقب الإبرة"، ليقدّم مشاعرها وغناها من ذهب وحجارة كريمة لخدمة العُرس الجديد.
رأت كنيسة الأمم سليمان الحقيقي، مصدر الحكمة، والبيت الذي بناه (1 مل 10: 4) أي كنيسته كبيتٍ ملوكيٍ لها؛ وطعام مائدته ومجلس عبيده (1 مل 10: 5)، لتجلس وتأكل من المائدة المعدَّة: الثيران والمُسمَّنات المذبوحة... تتناول من مذبحة سرّ حياتها وشبعها. لقد دخلت إلى أسرار العرس حتى "لم يبق فيها روح بعد" (1مل10: 5).
هكذا انفتح الباب للأمم وصارت الدعوة للبشريّة كلها، إذ يقول السيِّد: "فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدّتموه فاِدعوه إلى العرس" [9].يقول العلاّمة أوريجينوس عن هؤلاء العبيد الذين أرسلهم السيِّد إلى مفارق الطرق هم الرسل أو الملائكة، الذين عهد إليهم دعوة الأمم، فإن العرس بالحق مُعد. وإن كانت الطرق تُشير إلى العالم فإن مفارقه كما يقول القدّيس هيلاري أسقف بواتييه إنما تعني الدعوة لغفران كل الخطايا الماضية التي سقطت فيها البشريّة. إنها دعوة للجميع ولمغفرة كل الماضي!
ثوب العرس
انفتح باب الخلاص على مصراعيه ليدخل الكل إلى الوليمة، ولكن يلزم أن يلتحف بلباس العرس، إذ يقول السيِّد: "فلما دخل الملك لينظر المتّكئين رأي هناك إنسانًا لم يكن لابسًا لباس العرس. فقال له: يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس؟ فسكت. حينئذ قال الملك للخدّام: اِربطوا رجليه ويديه وخذوه واِطرحوه في الظلمة الخارجيّة. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون" [11-14].
حقًا إن الدعوة مفتوحة للجميع، إذ الله "يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (1تي 2: 4)، لكن ليس الكل يقبل نعمة الله التي تقدّسه، بل قليلون هم الذين يقبلونها ويتجاوبون معها، فيصير لهم ثوب "الحياة المقدّسة" اللائق بالعرس الإلهي. يقول صفنيا النبي: "لأن الرب قد أعد ذبيحة قدْس مدعوِّيه. ويكون في يوم ذبيحة الرب إني أعاقب الرؤساء وبني الملك وجميع الأمم اللابسين لباسًا غريبًا" (صف 1: 7-8). فإن كانت الدعوة قد وجِّهت للأمم الذين كانوا في الطرقات، فصاروا رؤساء وبني الملك، لكنهم إن لم يحملوا الثوب المقدّس في الرب يُطردون. يكون حالهم كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم كمن يهتمّ بثياب خارجيّة مُوَشَّاة بالذهب بينما تلتحف نفسه الداخليّة بالخرق الباليّة، أو كمن يسكن في قصر فخم مزيَّن بستائر ذهبية، بينما يبقى هو عاريًا يلبس الخِرق. ثوب العْرس عنده هو الحياة الداخليّة المقدّسة والمعلنة خلال التصرّفات العمليّة. حقًا إن الذين يدخلون العرس بثياب دنسة هم أكثر شرًا من الذين احتقروا الدعوة ورفضوها. فإن الآخرين احتقروا صاحب الدعوة برفضهم إيّاها، أمّا الأوّلون فاحتقروه بدخولهم الوليمة بحياة دنسة وثياب داخليّة نجسة لا تليق بكرامة صاحب الوليمة.
يرى البعض أن لباس العرس ما هو إلا الإنسان الجديد الذي ننعم به في مياه المعموديّة كصورة خالقه، والذي يلتزم المؤمن بالحفاظ عليه ناميًا بواسطة روح الله القدّوس خلال حياة التوبة العمليّة المستمرّة والجهاد الروحي القانوني. يقول القدّيس هيلاري أسقف بواتييه: [ثوب العرس هو نعمة الروح القدس والبهاء الذي يضيء الحالة السماويّة التي يتقبّلها بالاعتراف الصالح الذي للإيمان، فيصير المؤمن بلا دنس ولا عيب إلى اجتماع ملكوت السماوات.] وكأن ثوب العرس هو الحياة الجديدة التي صارت لنا كعطيّة الروح القدس نتقبّلها بالإيمان الحق خلال مياه المعموديَّة بتمتّعنا بالإنسان الجديد. لكن ليس كل من اِعتمد يحتفظ بثوب عرسه... إنما يلتزم خلال إيمانه أن يسلك بالوصيّة الإنجيليّة بالروح القدس الساكن فيه. لهذا يقول القدّيس جيروم: [ثوب العرس هي وصايا الرب والأعمال التي تتمِّم الناموس والإنجيل، فتصير ثوبًا للإنسان الجديد، فمن يوجد في يوم الحكم حاملاً اسم "مسيحي" وليس له هذا الثوب يُدان.]
ويحدّد القدّيس أغسطينوس الثوب في وصيّة واحدة يلتزم بها المسيحي هي "المحبّة". حقًا إن جميع الداخلين إلى الكنيسة أي ملكوت السماوات ينالون المعموديّة وقد يصومون ويصلّون. لكن سِمة المحبّة الحقيقيّة هي الثوب البهي الذي بدونه لن ينعم أحد بالوليمة، ويحدّد القدّيس على وجه الخصوص محبّة الأعداء بكونها المحك الحقيقي الذي يكشف عن حبّنا لله والقريب. لقد أعلن السيِّد محبّته للأعداء على الصليب طالبًا لهم الغفران، وحمل الشهيد استفانوس ذات الروح أثناء رجمه، معلنًا أنه يلبس ثوب العرس الأبدي. في محبّة الأعداء تتم كل الوصايا ويُعلن بهاء الإنسان الجديد الذي نلناه في مياه المعموديّة، وتظهر قوّة الروح القدس العامل فينا... بمعنى آخر ما يقوله القدّيس أغسطينوس إنما يكمّل ما قاله الآباء الآخرون.
فيما يلي مقتطفات مختصرة لكلمات القدّيس أغسطينوس في هذا الشأن:
v ثوب العرس، هل هو المعموديّة؟ بلا شك بدون المعموديّة لا يدخل أحد إلى الله، لكن ليس كل من ينال المعموديّة يأتي إليه، لذلك لا يمكننا أن نتطلّع إلى المعموديّة كثوب العرس... هنا ثوب العرس! "وأما غاية الوصيّة فهي المحبّة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء" (1تي1: 5). هذا هو ثوب العرس! لكنّها ليست أيّة محبّة!
v يُرتدى ثوب العرس تكريمًا للعرس، أي تكريمًا للعروس والعريس... إذن فلتكرم العريس ولتكرم العروس ولتكن ابنًا لهما!
v ليكن لكم الإيمان العامل بالحب، فإن هذا ثوب العرس. يا من تحبُّون المسيح حِبُّوا بعضكم بعضًا، حِبُّوا أصدقائكم وأعداءكم، ولا يكن هذا ثقلاً عليكم... أن تحبُّوا زوجاتكم وأولادكم هذا ليس بالأمر الكافي ليكون ثوبًا للعرس.
آمنوا بالله! لتحبُّوا الله أولاً، وليمتد حبّكم له مقتنصين كل أحدٍ له. ألك عدو؟ اِقتنصه (بالحب) لله، لك زوجة وابن وعبد، أحضرهم لله. يوجد غريب! اِقتنصه لله، اِحضر عدوّك، فإنه لا يعود بعد عدوًا لك.
لتصير فينا المحبّة كاملة ولتنتعش فتتكمّل، بهذا نرتدي ثوب العرس.
القدّيس أغسطينوس
v بحق تدعى المحبّة ثوب العرس، فقد اِلتحف به خالقنا عندما جاء إلى عرسه مع الكنيسة. خلال حب الله فقط وَحَّد الابن الوحيد نفوس المختارين من البشر معه. لهذا يقول يوحنا: "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد" (يو 3: 16)... فمن يأتي إلى وليمة العرس بدون ثوب العرس إنّما هو ذاك الذي له إيمان بدون حب.
الأب غريغوريوس (الكبير)
وإذ يتكلَّم القدّيس يوحنا الذهبي الفم عن المحبّة يقول أنها الثوب الملوكي الذي يلتحف به الإنسان فيصير كملكةٍ تدخل إلى العرش لتلتقي بالملك السماوي، ولا يقدر أحد من رجال البلاط أن يعترض طريقها.
ويرى الأب غريغوريوس (الكبير) أن هذا الثوب الملوكي للعرس إنّما يُنسج بين عارضتين، هما محبّة الله ومحبّة القريب. فالحب هو طبيعة تتّسم بها النفس، لا تقدر أن تفصل محبّة الله عن القريب ولا القريب عن الله، الأمر الذي تحدّثنا عنه في دراستنا لسفر زكريّا (الأصحاح الثاني).
موقف غير اللابسين للثوب
يقول السيِّد "فقال له: يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العُرس، فسكت"[12]. لقد اِنتهى الزمان الذي كان يمكن فيه أن ينسج ثوب العرس، لذا يصمت من ليس لهم الثوب، إذ ليس لهم عذر ولا إمكانيّة للعمل!
v لا يوجد في هذه الساعة موضع للتقدّم ولا فرصة للاعتذار لذلك يشهد كل الملائكة والعالم نفسه عن خطاياه.
القدّيس جيروم
v من يخطئ ولم يتجدّد ولا لبس الرب يسوع المسيح ليس له عذر، لذلك قيل "فسكت".
العلاّمة أوريجينوس
الظلمة الخارجيّة
"قال الملك للخدّام:
أربطوا رجليه ويديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجيّة،
هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" [13].
الإنسان الذي رفض بالحب أن يلبس ثوب العرس، فينال الحلّ من الخطيّة، مُقيِّدًا نفسه بنفسه بخطاياه خلال عدم محبّته، يسلّمه الملك المسيح للخدّام لكي يُربط، فيُحرم من حرّية الروح وحرّية الجسد، لا يقدر أن يحرّك رجليه ولا يديه، إذ لا يعرف أين يذهب ولا ماذا يفعل. لقد اختار أن يبقى في الظلمة الداخليّة، إذ انطمست بصيرته الداخليّة عن التمتّع بالحياة الجديدة وإدراك أسرار مسيحه، لهذا ينال أيضًا الظلمة الخارجيّة... هي امتداد لما صنعه بنفسه في داخله. أمّا البكاء وصرير الأسنان فيشير كما يقول القدّيس جيروم إلى قيامة الجسد ليشترك مع النفس في مرارة الظلمة الخارجيّة.
كثيرون يُدعوْن، وقليلون يُنتخَبون
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:48 pm

كثيرون يُدعوْن، وقليلون يُنتخَبون
في حديث السيِّد المسيح عن ملكوت السماوات يميّز بين وليمتين، الأولى وليمة العُرس التي نتحدّث عنها هنا، وهي تمثل الكنيسة الحاضرة التي تحمل عريسها في داخلها، ويجتمع فيها المؤمنون كأعضاء جسد المسيح يلبسون ثياب العرس، وإن كان يتسلّل معهم وبينهم من هم بغير هذه الثياب. أمّا الوليمة الأخرى (مت 8: 11) فهي امتداد للوليمة الحاضرة لا يوجد فيها إلا لابسو ثياب العرس.
يصف السيِّد وليمة العرس التي نعيشها الآن فيقول: "لأن كثيرين يُدعوْن، وقليلين يُنتخَبون" [14].ويُعلّق الآباء على هذا القول الإلهي هكذا.
v كثيرون هم الذين يأتون إلى العُرس، وقليلون هم الذين يجلسون على المائدة.
العلاّمة أوريجينوس
v الصالحون كثيرون فإن قورنوا بالأشرار نجدهم قليلين. كثيرة هي حبوب الحنطة، لكنَّها إن قورنت بالتِبن تحسب قليلة.
القدّيس أغسطينوس
يتطلّع الأب غريغوريوس (الكبير) ليرى الكنيسة وقد اختفت الحنطة وسط التبن، فظهر كثير من الأشرار والخطاة وقليل من الأبرار الصالحين، لذلك يشبهها بفلك نوح المتسع من أسفل حيث يضم الحيوانات والثعابين، أمّا الإنسان والطيور ففي الطبقة العليا الضيقة. الجسديون من أسفل يملأون الفلك، أمّا الروحيّون فقليلون من أعلى. حقًا يتطلّع الرب إلى الكنيسة ليجد الأبرار كالسوسنة المحاطة بكثير من الأشواك (نش 2: 2). في مرارة يقول الإنسان لابس ثوب العرس: "صرت أخًا للتنانين وصاحيًا للنعام" (راجع أي30: 29). هذه هي الكنيسة أنها تضم قدّيسين، لكن الأشرار كالتنانين والمهملين كالنعام يتسلّلون إليها.
2. سؤاله بخصوص الجزْيَة
إن كان السيِّد قد فضح القادة الدينيّين لليهود بأمثاله لأجل توبتهم، فإنهم عِوض إصلاح موقفهم ورجوعهم عن العناد ازدادوا قسوة، فتكاتفوا معًا على مقاومته بكل طريقة.
"حينئذ ذهب الفرّيسيّون وتشاوروا لكي يصطادوه بكلمة.
فأرسلوا إليه تلاميذهم مع الهيرودسيّين، قائلين:
يا معلّم نعلم أنك صادق وتُعلم طريق الله بالحق ولا تبالي بأحد،
لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس.
فقل لنا ماذا تظن،
أيجوز أن تُعطي جزية لقيصر أم لا؟" [15-17]
يمكننا أن نتوقَّع من الهيرودسيّين مثل هذا السؤال، إذ يهتمّون بجمع الجزية فيقدّمون منها نصيبًا لقيصر ويغتصبون الباقي لحسابهم الخاص، أمّا ما هو عجيب فإن الذين يثيرونه هم الفرّيسيّون الذين كانوا يطلبون التحرّر من الاستعمار الروماني، ويحسبون هذه الجزية علامة عبوديّة ومذلّة، ويتطلّعون إلى الهيروديسيّين كخونة ضدّ أمّتهم وناموسهم. لكن من أجل الخلاص من المسيح ومقاومة عمله كانوا يعملون مع الهيروديسيّين متجاهلين أفكارهم نحوهم التي نشأوا عليها زمانًا.
"فعلم يسوع خبثهم، وقال: لماذا تجرِّبونني يا مراءون؟" [18]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لقد دعاهم مُرائين حتى متى عرفوا أنه قارئ قلوب البشر لا يتجاسروا بعد أن يتمّموا خططهم.]
يكمّل السيِّد حديثه، قائلاً: "أرُوني معاملة الجزية، فقدّموا له دينارًا. فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟. قالوا له: لقيصر. فقال لهم: أعطوا إذًا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله. فلما سمعوا تعجّبوا وتركوه ومضوا" [19-22].
كان ذلك الموقف فرصة يُعلن فيها السيِّد مبدأً روحيًا يلتزم به تلاميذه، ألا وهو "أعطوا إذًا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، والعجيب أنه قدّم إعطاء قيصر حقّه قبل إعطاء الله حقّه. التزام المسيحي بالطاعة لقيصر أو للرؤساء وتقديم حقوق الوطن عليه من ضرائب والتزامات أخرى أدبيّة وماديّة فيه شهادة حق لحساب الله نفسه. يقول القدّيس بولس: "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتَّبة من الله، حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة... لذلك يلزم أن يُخضع له ليس بسبب الغضب فقط بل أيضًا بسبب الضمير، فإنكم لأجل هذا توفون الجزية أيضًا... فاعطوا الجميع حقوقهم، الجزية لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية، والخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الإكرام" (رو 13: 1-7).
يقول القدّيس أمبروسيوس: [يلزم الخضوع له كما للرب، وعلامة الخضوع هو دفع الجزية]، وأيضًا يقول: [يركّز الرسول على أن نرُد له ليس فقط المال، بل الكرامة والمهابة.]
إذن ليست هنا ثنائيّة بين عطاء قيصر حقّه وعطاء الله حقّه، فإن كليهما ينبعان عن قلبٍ واحدٍ يؤمن بالشهادة لله خلال الأمانة في التزامه نحو الآخرين ونحو الله.
في هذا المبدأ أيضًا احترام الكنيسة لقيصر، تعطيه حقّه في تدبير أموره، فلا تتدخل في السياسة، وإنما تلتزم بعملها الروحي. فالكنيسة ليست دولة داخل دولة، ولا هي منعزلة عن قيصر، إنّما تحبّه وتكرمه وتعطيه حقّه. هكذا تقدّم له حقّه، لكن ليس على حساب حق الله وشهادتها له.
ويرى بعض الآباء في هذه العبارة الإلهيّة معنى رمزيًا، فإن كان قيصر يمثّل الجسد فإن الله يمثّل النفس، وكما يقول العلاّمة أوريجينوس: [لنعطِ الجسد بعض الأشياء أي الضروريّات كجزية لقيصر، أمّا الأمور الخاصة بطبيعة نفوسنا والتي تقودنا للفضيلة فيجب أن نقدّمها لله.] أمّا القدّيس هيلاري أسقف بواتييه فيقول: [لنرد لله ما هو لله أي نقدّم له الجسد والنفس والإرادة، عملة قيصر هي من الذهب وعليها ختم صورته، وعملة الله عليها صورته. لنعطِ المال لقيصر ولنحتفظ بالضمير الذي بلا عيب لله.]
ما أحوجنا أن نفتح القلب بالروح القدس للسيِّد المسيح، فيصير بكامله له، عندئذ لا نحتاج إلى مجهود في تقديم كل حياتنا له، مقدّمين ما للمسيح للمسيح. فإن تقدَّست كل الحواس وانفتحت أبوابها لتتقبّل ما هو للمسيح تقدّم كل الحياة للمسيح. أمّا إن انفتحت أبواب الحواس لمشتهيات العالم وشهواته فلا يكون فينا ما هو للمسيح لنقدّمه له، بل نقدّم ما للعالم للعالم. في هذا يقول القدّيس هيلاري: [إن كان ليس لقيصر شيء لدينا فلا نلتزم أن نرد له شيئًا، ولكن إن كنّا نعتمد عليه وننعم بمميزات حكمه نلتزم أن نرد ماله.] ليتنا إذن لا نكون مدينين لأحد بشيء، ولا للشيطان أو الخطيّة حتى لا نلتزم له برد الضعف، إنّما نكون مدينين لله بكل عطاياه المجّانيّة ومحبّته فنقدّم له حياتنا وحبّنا.
في أسلوب آخر يقول القدّيس أغسطينوس: [كما يطلب قيصر صورته على العملة هكذا يطلب الله صورته فينا.] بمعنى أن من يجد صورته فينا يمتلكنا ويستعبدنا، فإن رأى الله صورته فينا لا نقدر أن نهرب منه، وإنما من حقّه أن يمتلكنا ويستعبدنا، وإن رأى العالم فينا صورته يستعبدنا ويذلِّنا تحت قدميه.
نستطيع أن نقول بأن هذا الدينار الذي أمسك به السيِّد وقد حمل ختم قيصر وكتابته ليس إلا النفس البشريّة التي حملت صورة الله ومثاله، حتى بعد سقوطها عاد الروح القدس فختمها من جديد، لتحمل صورة الملك وسجل فيها كلمته، لنلتزم أن نقدّم للملك السماوي عُملته الروحيّة تحمل صورته وكتابته. وكما أن العُملة إن أُهملت زمانًا تحتاج إلى تنظيفها لتظهر الصورة والكتابة من جديد، هكذا بالتوبة المستمرّة تظهر صورة خالقنا متجليّة في حياتنا.
ويقدّم لنا العلاّمة أوريجينوس تفسيرًا رمزيًا آخر لكلمات السيِّد هنا، إذ يقول: [يحمل الإنسان صورتين؛ الأولى استلمها من الله عند الخلقة كما يقول سفر التكوين: "على صورة الله خلقه" (تك 1: 27)، والأخرى صورة الإنسان الترابي (1 كو 15: 49) التي أخذها بسبب عصيانه وخطيَّته عند طرده من الفردوس وقد أغراه "رئيس هذا العالم" (يو 12: 31). كما أن العُملة أو الفلس بها صورة لسلطان هذا العالم، هكذا من يتمّم أعمال رئيس الظلمة (أف 6: 12) يحمل صورته. لذلك يأمر يسوع بإرجاع هذه الصورة ونزعها عنّا حتى نتقبّل الأصل الذي عليه خلقنا مشابهيّن لله. بهذا نرد ما لقيصر لقيصر وما لله لله... بنفس المعنى يقول بولس: "كما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضًا صورة السماوي" (1 كو 15: 49). فالقول "اِعطوا ما لقيصر لقيصر" إنّما يعني: [اتركوا صورة الترابي، اِلقوا عنكم الصورة الأرضيّة لتنعموا بصورة الإنسان السماوي، عندئذ تعطوا ما لله لله.]
3. سؤال بخصوص القيامة
إذ كان السيِّد المسيح يتحدّث عن الملكوت السماوي كملكوت أبدي، تقدّم إليه الصدّوقيّون الذين سيطر عليهم الفكر المادي، خاصة في تفسير الكتاب المقدّس بطريقة حرفيّة، فلم يستطيعوا أن يقبلوا عودة الجسد بعد انحلاله لذلك أنكروا القيامة، فاصطدموا بكلمات السيِّد في هذا الشأن. سألوه: "يا معلّم، قال موسى إن مات أحد وليس له أولاد يتزوّج أخوه بامرأته ويقيم نسلاً لأخيه. فكان عندنا سبعة إخوة وتزوَّج الأول ومات. وإذ لم يكن له نسل ترك امرأته لأخيه. وكذلك الثاني والثالث إلى السبعة. وآخر الكل ماتت المرأة أيضًا. ففي القيامة لمن من السبعة تكون زوجة، فإنها كانت للجميع؟" [24-28].
يقول العلاّمة أوريجينوس: [يرجع خطأ كل الصدّوقيّين إلى عدم فهمهم لعبارات الأنبياء، كأن يقرأون في إشعياء: "لا يتعبون باطلاً ولا يلدون للرعب، لأنهم نسل مباركي الرب وذرّيتّهم معهم" (إش 65: 23)، وفي فصل البركة في التثنية: "ويبارك ثمرة بطنك" (تث 28: 4). فيعتقدون أن هذا يتحقّق عند القيامة دون أن يفهموا أنه يتنبأ عن البركة الروحيّة. فبولس "الإناء المختار" (أع 9: 15) يدرك تمامًا أن البركة المُشار إليها في الناموس لا تعني الجانب الجسداني، إنّما يفسرها بطريقة روحيّة، فيقول لأهل أفسس: "مبارك الله أبو ربّنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحيّة في السمويّات" (أف 1: 3)... يسقط الصدّوقيّون في نفس الخطأ حين يقرأون في المزامير (بطريقة حرفيّة): "امرأتك مثل كرْمة مخصبة في جوانب بيتك، بنوك مثل غروس الزيتون حول مائدتك هكذا يُبارَك الرجل المتَّقي الرب" (مز 128: 3-4)... بينما الذين يفهمون العبارة عن أورشليم الروحيّة يُدركون أنها "أورشليم العُليا التي هي أُمِّنا جميعًا، فهي حرة" (غل 4: 26)، ويرون أن فيها تتحقّق هذه الخيرات الواردة في المزمور.]
قدّموا للسيِّد المسيح القصة السابقة ظانِّين أنها لغز لا يمكن حلُّه، لكن السيِّد كعادته يستخدم حتى المقاومة كفرصة لتقديم المفاهيم الإيمانيّة السليمة. فقد انتهز السيِّد هذه الفرصة ليحدّثنا عن مفهوم الحياة الملكوتيّة العتيدة، مؤكِّدًا أنها لا تقوم على مفاهيم أرضيّة، ولا يرتبط فيها الأعضاء برباطات جسديّة، إذ يقول: "تضلُّون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوّة الله. لأنهم في القيامة لا يزوِّجون ولا يتزوَّجون، بل يكونون كملائكة الله في السماء. وأما من جهة قيامة الأموات، أفما قرأتم ما قيل لكم من قبل الله القائل. أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، ليس الله إله أموات بل إله إحياء" [29-32].
لقد أجاب السيِّد سؤالهم من جانبين: من الجانب المنطقي، فإن الحياة الأبديّة هي حياة فائقة على مستوى ملائكي، ومن الجانب الكتابي أن الله إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، إنّما هو إله أحياء لا إله أموات.
في الحياة الأبديّة نمارس حياة ملائكيَّة فلا يوجد زواج. هنا يسترعي القدّيس يوحنا الذهبي الفم اِنتباهنا أنه ليس لأنهم لا يتزوَّجون هم ملائكة، وإنما لأنهم ملائكة فهم لا يتزوَّجون. لذلك فإن غايتنا - حتى بالنسبة للرهبان - أن ننعم بالحياة الملائكيّة لا عدم الزواج في ذاته.
يقول القدّيس كيرلّس الكبير أن الصدّوقيّين بشرِّهم اقتربوا إلى السيِّد المسيح مخلّص الكل، الذي هو الحياة والقيامة (يو 11: 25)، وكانوا يسعون لإنكار القيامة حتى يفقدوا العالم كلّه الرجاء، وكان يمكن للسيِّد المسيح أن يؤكّد لهم القيامة من كتابات الأنبياء (هو 13: 14، إش 36: 19، مز 104: 29) لكنّه لم يدخل معهم في مناقشات كلاميّة، إنّما قدّم لهم تذوّقا جديدًا للقيامة، ملهبًا قلب مؤمنيه نحوها للتمتّع بالحياة الملائكيّة الفائقة.
ربّما نتساءل: هل في السماء نتجاهل القرابات الجسديّة؟
يجيب القدّيس أغسطينوس: [لا يوجد في ملكوت السماوات قرابات زمنيّة من هذا النوع: "لأنه ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر وأنثى" (غل 3: 28)، "بل المسيح الكل في الكل" (كو 3: 11)... لو سألنا مسيحيًّا صالحًا له زوجة، وقد يكون لديه أبناء منها عمَّا إذا كان يرغب في أن تكون له علاقة جسديّة بزوجته في ملكوت السماوات، فبالرغم من محبّته لزوجته في الحياة الحاضرة وارتباطه بها، سيجيب بلا تردّد رافضًا بشدة أن تكون علاقته بها في السماء علاقة جسديّة، لأنه يهتمّ بتلك الحياة التي فيها يلبس الفاسد عدم فساد، وهذا المائت عدم موت. هل لي أن أسأله مرّة أخرى، عمَّا إذا كان يرغب في أن تكون زوجته معه بعد القيامة هناك، حتى يكون لها ذلك التغيّر الملائكي الذي وعد به الرب القدّيسين، فإنه سيجيب بالإيجاب بشدَّة، قدر ما رفض بشدة في الحالة الأولى... وهذا ما ينطبق أيضًا على الأبوَّة والأمومة وبقيّة العلاقات الجسديّة... فهناك لا نقول لأحد "أبي" بل جميعنا نقول لله "أبانا"، ولا نقول لأحد "أمِّي"، بل نقول جميعنا لأورشليم السماويّة "أُمِّنا"، ولا نقول لأحد "أخي" بل يقول كل للآخر "أخانا". حقًا سيكون هناك زواج من جانبنا، إذ نتقدّم جميعًا كزوجة واحدة لذاك الذي خلَّصنا من نجاسة هذا العالم بسفك دمه.]
ويجيب القدّيس جيروم قائلاً: [عندما يُقال: لا يزوَّجون لا يتزوِّجون يظهر أن التمايز الجنسي قد انتهى.] [حقًا سيكونون ممجّدين وينعمون بالسموّ الملائكي، لكنهم مع هذا يبقون بشريّين، فيبقى الرسول بولس وهو بولس ومريم هي مريم.] مرّة أخرى في حديثه ضدّ أتباع جوفنيانوس يقول: [إن كان الوعد لنا أن نكون كالملائكة، ولا يوجد بين الملائكة جنسان متمايزان، فإنّنا سنكون بلا تمايز جنسي كالملائكة. على أي الأحوال، فإنّنا إذ نقوم من الأموات نحمل الجنس الذي لنا لكننا لا نمارس وظيفة الجنس.]
يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [إذ تنزع كل شهوة جسديّة ولا يكون فيهم موضع للملذّات الجسديّة. يشبهون الملائكة، مقدّمين خدمة روحيّة غير ماديّة، فيصيرون كأرواح مقدّسة، وفي نفس الوقت يحسبون مستحقِّين لمجد يتمتّع به الملائكة.]
إن عدنا إلى القصة التي رواها الصدّوقيّون، فإنها ربّما تمثل قصَّة الكنيسة كلها. فالمرأة التي تحدّثوا عنها هي الكنيسة التي ارتبطت بعريسها الأبدي ليملأ قلبها، لكن من خلال واقعها الزمني الذي يُشار له بالرجال السبعة، لأن الزمن يُشار إليه برقم 7 (عدد أيام الأسبوع) ارتبطت بأعمال الناموس كرجل لها فظن اليهود أنهم أبرار، لكن يلزمهم أن يتقبّلوا العريس الأبدي إن ماتوا عن البِرّ الذاتي أو الأعمال البشريّة الزمنيّة الذاتيّة. هذه الكنيسة إذ تقوم لعريسها الأبدي تحمل الطبيعة الملائكيّة، ولا يقوى عليها الموت، فلا تحتاج إلى الزيجات الجسديّة بعد انقضاء الدهر.
نحن في العالم نحتاج إلى الزواج بسبب موت الجسد، لكننا إذ نصير كالملائكة لا تدخل إلينا الخطيّة ولا نسقط تحت الموت، فلا حاجة إلى زواجٍ لإنجاب أجيال تالية عِوض الجيل القائم.
4. سؤاله عن الوصيّة العُظمى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:48 pm

4. سؤاله عن الوصيّة العُظمى
"وأما الفرّيسيّون فلما سمعوا أنه أبكَمَ الصدّوقيّين اجتمعوا معًا.
وسأله واحد منهم وهو ناموسي ليجرّبه قائلاً:
يا معلّم أيّة وصيّة هي العُظمى في الناموس؟
فقال له يسوع: تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك.
هذه هي الوصيّة الأولى والعُظمى.
والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك.
بهاتين الوصيّتين يتعلَّق الناموس كلّه والأنبياء" [34-40].
سمع الفرّيسيّون أنه أبكَمَ الصدّوقيّون. وقد ميّز العلاّمة أوريجينوس بين حالة البُكْم وحالة الصمت المقدّس. فقد أصيب الصدّوقيّون بالبُكْم كعلامة فشل، لم يجدوا بعد كلمة يمكنهم أن ينطقوا بها ضدّ الحق، أمّا الصمت المقدّس فهي حالة توقف إرادي عن الكلام مع الناس، لكي تنفرد النفس بالحديث مع الله. الصمت ليس علامة فشل وعجز بل انطلاق للنفس نحو الله تناجيه ويناجيها.
v بهاء الحق يُسكت على الدوام صوت الباطل المرّ والمضر.
v يصمت البار إذ يُعلّم أن للسكوت وقت وللكلام وقت (جا 3: 7)، لكنّه لا يصير أبكمًا. إنّما هذه سِمة خاصة بالصدّوقيّين - وكل من يُعلّم بالباطل، إذ هم يبكمون ولا يصمتون. فإنهم وإن كانوا بُكمًا عن الحق لكنهم غير صامتين، هكذا قال الرب للبحر وليس للإنسان أن يبكم، منتهرًا إيّاه إذ كان عاصفًا.
العلاّمة أوريجينوس
إذ سمع الفرّيسيّون أنه أبْكَم الصدّوقيّين اجتمعوا معًا، إذ شعروا بمهابة السيِّد المسيح وخشوا أن يلتقوا به فرادى، تقدّموا كجماعة... وعندئذ تقدّم فرّيسي ناموسي بمكر يجرّبه في الناموس ذاته، بسؤاله: "يا معلّم أيّة وصيّة هي العُظمى في الناموس؟" ربّما توقع الناموسي في السيِّد أن يميّز بين الوصايا الموسويّة فيكون بهذا قد احتقر الناموس، أو ربّما سمعوا عن موعظته التي ألقاها على الجبل مكملاً الناموس، فظنّوا أنه يجيب بأن الناموس ناقص، وأنه قد جاء ليكمّله، فيجدوا ما يشتكون به عليه. لكن السيِّد أجاب بحكمة وبالحق معلنًا أن الوصيّة الأولى والعظمة هي محبّة الله من كل القلب والنفس والذهن، وأن الوصيّة التاليّة ليست بأقل منها بل مثلها أن يحب الإنسان قريبه مثل نفسه.
بهذه الإجابة المختصرة قدّم لنا السيِّد مفهوم الوصيّة بمنظار مسيحي، أن الوصايا وِحدة واحدة لا تنفصل عن بعضها البعض، فإن كان حبّنا لله بلا حدود هو أعظم الوصايا، فإن حبّنا لإخوتنا ليس بأقل منها، إذ لا يمكننا أن نحب الله غير المنظور خارج حبّنا لإخوتنا المنظورين. وبحبّنا لله والإنسان إنّما تكمل جميع الوصايا والأنبياء. هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد أراد السيِّد تأكيد حقيقة هامة وهي أن الوصايا ليست موضوع بحث عقلي ومناقشات ومجادلات، وإنما هي حياة حب يعيشها الإنسان ويحياها.
v هؤلاء وحدهم يتقبّلون داخلهم عظمة الوصيّة وأولويَّتها، ليس من يحبُّون الرب إلههم فحسب، إنّما يضعون في أنفسهم أن يحقّقوا هذا خلال شروط ثلاثة؛ أي بكل قلبهم يتمسَّكون في داخلهم بكمال هذا الحب وأفكاره وأعماله؛ وبكل نفسهم أي يكونون على استعداد أن يبذلوها من أجل الخدمة لله الذي خلق كل شيء، عندما يتطلّب ذلك نشر كلمته؛ فإن الله يُحَبْ من كل النفس عندما لا يُمسك أي جزء من النفس خارج حفظ الإيمان؛ ويحبّونه بكل الفكر، فلا يفكِّرون بشيء ولا ينطقون إلا في الإلهيّات.
العلاّمة أوريجينوس
v قريبي إنسان مثلي على صورة الله، يليق بي أن أُحبّه كما أُحِب نفسي... يلزمني أن أهتم به كما بجسدي ودمي، وأتعامل معه بالحب واللطف والحنو، غافرًا له أفكاره كما أغفر لنفسي أفكاري، وكما أشتاق إلى العفو من الآخرين عن ضعفاتي.
الأب يوحنا من كرونستادت
كيف يعتمد كل الناموس والأنبياء على هاتين الوصيّتين؟
v من يتمّم كل ما هو مكتوب بخصوص حب الله وحب القريب يستحق أن يتقبّل هبات الله العُليا، أوِّلها كلمة الحكمة خلال الروح القدس، خلالها تأتي كلمة المعرفة حسب نفس الروح (1 كو 12: 8). وإذ يتأهّل لكل هذه العطايا يفرح بحكمة الله ويمتلئ قلبه بحب الله، وتستنير نفسه بنور المعرفة وذهنه بكلمة الله.
v من له المحبّة لن يفرح بالظلم، وإنما يفرح على الدوام بالحق.
v من له المحبّة يحتمل كل التجارب بصبرٍ، ولا يكون له الإيمان جزئيًا بل الإيمان بكل شيء، ولا يكون رجاؤه جزئيًا بل يترجَّى كل شيء. ليس شيء لا تحتمله المحبّة.
العلاّمة أوريجينوس
5. السيِّد يسألهم عن نفسه
إن كان قادة الفكر اليهودي قد قاوموا الملكوت بكل الطريق، فإن السيِّد أفحمهم بكشفه عن حقيقة شخصه كرب داود، إذ سأل الفرّيسيّين: "ماذا تظنّون في المسيح، ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود. قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح ربًا، قائلاً: قال الرب لربِّي اِجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك. فإن كان داود يدعوه ربًا، فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة" [42-46].
لم يستطع أحد أن يجيبه إذ كشف لهم أن المسيّا ابن داود إنّما هو ربُّه الذي يخضع مقاوموه تحت قدميه. وكأن السيِّد كان يُحذّرهم من المقاومة، إذ جاء ليُخلّص لا ليدين. إنه يفتح الباب لقبولهم حتى لا يوجدوا في يوم الرب العظيم كأعداء مقاومين.
v المسيح هو ابن داود وربُّه. إنه رب داود على الدوام وابنه حسب الزمن... هو رب داود المولود من الآب، وابن داود المولود ابنًا للعذراء مريم الذي حُبل به منها بالروح القدس. فلنتمسَّك بكليهما بشدة... فلو لم يهبنا ربّنا يسوع المسيح أن يصير إنسانًا لهلك الإنسان.
القدّيس أغسطينوس
v الكلمة معنا بكونه الله وقد أخذ شكلنا ولم يحتقر بشريَّتنا المتواضعة حتى يخلّص من هم تحت السماء.
القدّيس كيرلّس الكبير
1 و جعل يسوع يكلمهم ايضا بامثال قائلا
2 يشبه ملكوت السماوات انسانا ملكا صنع عرسا لابنه
3 و ارسل عبيده ليدعوا المدعوين الى العرس فلم يريدوا ان ياتوا
4 فارسل ايضا عبيدا اخرين قائلا قولوا للمدعوين هوذا غدائي اعددته ثيراني و مسمناتي قد ذبحت و كل شيء معد تعالوا الى العرس
5 و لكنهم تهاونوا و مضوا واحد الى حقله و اخر الى تجارته
6 و الباقون امسكوا عبيده و شتموهم و قتلوهم
7 فلما سمع الملك غضب و ارسل جنوده و اهلك اولئك القاتلين و احرق مدينتهم
8 ثم قال لعبيده اما العرس فمستعد و اما المدعوون فلم يكونوا مستحقين
9 فاذهبوا الى مفارق الطرق و كل من وجدتموه فادعوه الى العرس
10 فخرج اولئك العبيد الى الطرق و جمعوا كل الذين وجدوهم اشرارا و صالحين فامتلا العرس من المتكئين
11 فلما دخل الملك لينظر المتكئين راى هناك انسانا لم يكن لابسا لباس العرس
12 فقال له يا صاحب كيف دخلت الى هنا و ليس عليك لباس العرس فسكت
13 حينئذ قال الملك للخدام اربطوا رجليه و يديه و خذوه و اطرحوه في الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء و صرير الاسنان
14 لان كثيرين يدعون و قليلين ينتخبون
15 حينئذ ذهب الفريسيون و تشاوروا لكي يصطادوه بكلمة
16 فارسلوا اليه تلاميذهم مع الهيرودسيين قائلين يا معلم نعلم انك صادق و تعلم طريق الله بالحق و لا تبالي باحد لانك لا تنظر الى وجوه الناس
17 فقل لنا ماذا تظن ايجوز ان تعطى جزية لقيصر ام لا
18 فعلم يسوع خبثهم و قال لماذا تجربونني يا مراؤون
19 اروني معاملة الجزية فقدموا له دينارا
20 فقال لهم لمن هذه الصورة و الكتابة
21 قالوا له لقيصر فقال لهم اعطوا اذا ما لقيصر لقيصر و ما لله لله
22 فلما سمعوا تعجبوا و تركوه و مضوا
23 في ذلك اليوم جاء اليه صدوقيون الذين يقولون ليس قيامة فسالوه
24 قائلين يا معلم قال موسى ان مات احد و ليس له اولاد يتزوج اخوه بامراته و يقم نسلا لاخيه
25 فكان عندنا سبعة اخوة و تزوج الاول و مات و اذ لم يكن له نسل ترك امراته لاخيه
26 و كذلك الثاني و الثالث الى السبعة
27 و اخر الكل ماتت المراة ايضا
28 ففي القيامة لمن من السبعة تكون زوجة فانها كانت للجميع
29 فاجاب يسوع و قال لهم تضلون اذ لا تعرفون الكتب و لا قوة الله
30 لانهم في القيامة لا يزوجون و لا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء
31 و اما من جهة قيامة الاموات افما قراتم ما قيل لكم من قبل الله القائل
32 انا اله ابراهيم و اله اسحق و اله يعقوب ليس الله اله اموات بل اله احياء
33 فلما سمع الجموع بهتوا من تعليمه
34 اما الفريسيون فلما سمعوا انه ابكم الصدوقيين اجتمعوا معا
35 و ساله واحد منهم و هو ناموسي ليجربه قائلا
36 يا معلم اية وصية هي العظمى في الناموس
37 فقال له يسوع تحب الرب الهك من كل قلبك و من كل نفسك و من كل فكرك
38 هذه هي الوصية الاولى و العظمى
39 و الثانية مثلها تحب قريبك كنفسك
40 بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله و الانبياء
41 و فيما كان الفريسيون مجتمعين سالهم يسوع
42 قائلا ماذا تظنون في المسيح ابن من هو قالوا له ابن داود
43 قال لهم فكيف يدعوه داود بالروح ربا قائلا
44 قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى اضع اعداءك موطئا لقدميك
45 فان كان داود يدعوه ربا فكيف يكون ابنه
46 فلم يستطع احد ان يجيبه بكلمة و من ذلك اليوم لم يجسر احد ان يساله بتة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:49 pm

الأصحاح الثالث والعشرون
الويْلات لمقاومي الملكوت
في الاصحاحات السابقة كشف معلّمنا متّى الإنجيلي عن دور الكتبة والفرّيسيّين والصدّوقيّين مع الهيرودسيّين في مقاومة ملكوت السموات، وقد حوّل السيِّد مقاومتهم إلى فرصة لتعليمهم مع الشعب عن المفاهيم الجديدة لملكوته. وإذ أصرّوا على مقاومتهم له سقطوا تحت الويْلات، ليس غضبًا منه عليهم، وإنما نتيجة طبيعيّة للمقاومة. فما أعلنه السيِّد من ويْلات هو ثمر طبيعي للحياة الشرّيرة التي قبلوها بإرادتهم. وقد أبرز السيِّد بحديثه ثمار تصرُّفاتهم لكي يعطيهم فرصة لمراجعة أنفسهم، وفي نفس الوقت يُحذِّر تلاميذه لئلا يسقطوا فيما سقط فيه هؤلاء المقاومين.
1. التعليم دون العمل 1-4.
2. طلب المتكآت الأولى 5-12.
3. ظُلم الآخرين مع ممارسة العبادة 13-14.
4. إعثار الدخلاء 15-16.
5. النظرة الماديّة في العبادة 17-22.
6. الحرفيّة في الوصيّة 23-24.
7. الشكليّة في العبادة 25-28.
8. مقاومة الحق تحت ستار الدين 29-36.
9. الحكم بالخراب الأبدي 37-39.
1. التعليم دون العمل
"حينئذ خاطب يسوع الجموع وتلاميذه. قائلاً:
على كرسي موسى جلس الكتبة والفرّيسيّون.
فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فأحفظوه وإفعلوا،
ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا،
لأنهم يقولون ولا يفعلون" [1-3].
اضطّر السيِّد أن يُعلن الويُلات أمام الجموع والتلاميذ ليس تشهيرًا بالكتبة والفرّيسيّين، وإنما تحذيرًا لشعبه لئلاّ يُعثرهم هؤلاء بتصرُّفاتهم، وما هو أهم لئلاّ يسقط شعبه فيما سقطوا فيه. والعجيب أن الكتبة والفرّيسيّين صوبوا سهامهم ضدّ السيِّد المسيح، أمّا هو ففي لطف وعطف يقول: "كل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه واِعملوه"، وكأنه يحث الشعب على الخضوع لهم، لا من أجل سلوكهم، ولكن من أجل كرسي موسى الذي جلسوا عليه.
لقد جلس الكتبة والفرّيسيّون على كرسي موسى، أي تسلّموا ناموسه، لكي يسجّلوه ويقرأوه ويفسروه، فما ينطقون به ليس من عنديَّاتهم، ولا هو ثمرة قلبهم الشرّير، وإنما هو ثمرة الكرسي الذي يجلسون عليه، أمّا أعمالهم فهي عظة مُرّة وقاتلة تحمل ثمار قلوبهم الدنسة. لهذا شجَّع السيِّد الشعب أن يسمعوا لهم فيما يصدر عن الكرسي لا ما ينبع عن قلوبهم.
هذا هو حال كل خادم متكبّر يقدّم للآخرين كلمة الله، ليس من عندياته وإنما من الكتاب المقدّس، دون أن ينتفع هو به، وكما يقول عنه القدّيس أغسطينوس: [الخادم المتكبّر يُحسب مع الشيطان، أمّا عطيّة المسيح (كلمة الوعظ)، فلا تَفسد بل تفَيض نقيّة خلاله وتعبُر كالماء إلى أرض مخصبة، فيكون الخادم كقناة من الحَجر لا يقدر أن يقدّم ثمرًا بالمياه التي تعبر القناة الحجرية إلى أحواض الزهور في الحديقة. أنها لا تقدّم نموًا في داخلنا كقناة حجرية بل تهب ثمرًا كثيرًا في الحدائق.]
ربّما يسأل أحدهم: كيف نحفظ ما يقوله هؤلاء الأشرار، مع أن السيِّد يقول في موضع آخر: "الإنسان الشرّير من الكنز الشرّير يُخرج الشرور، يا أولاد الأفاعي كيف تقدرون أن تتكلّموا بالصالحات وأنتم أشرّار؟" (مت12: 34-35)؟
يجيب القدّيس أغسطينوس، قائلاً: [يخرج الشرّير من عندياته ما هو شرّ... لأن قلبه شرّير... ولا يطلب السيِّد المسيح منّا طاعة الأشرار، لأن ما يخرجوه من كنز قلبهم الشرّير يختلف عمَّا ينطقون به وهم على كرسي موسى. مثال ذلك: في المحكمة ينطق الحاجب بما يقوله القاضي. فما ينطق به لا يُنسب إليه طالما يتّكلم في حضرة القاضي. ما ينطق به الحاجب في بيته يختلف عما ينطق به وهو في المحكمة، إذ ينطق هنا بما يسمعه من القاضي. فالحاجب ينطق بالعقوبة، أراد أو لم يرد، حتى لو كانت العقوبة موجّهة ضدّ صديق له. وينطق أيضًا بالبراءة، شاء أو لم يشأ، ولو كانت لصالح عدوّ له. فلو نطق الحاجب بحسب ما في قلبه لأعطى براءة لصديقه وعاقب عدوّه، لكنّه إذ يتكلَّم من كرسي الحُكم قد يعاقب صديقه ويبرِّئ عدوّه. هكذا بالنسبة للكتبة أيضًا، فلو أنهم تحدّثوا بحسب ما في قلوبهم لسمعتم قولهم: "لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت" (إش 22: 13)، أمّا إذا تكلّموا من على كرسي موسى فيقولون: "لا تقتل، لا تزن، لا تسرق...". إذن لنعمل حسب ما يُعلنه الكرسي الرسمي على فم الكنيسة، لا ما تتفوَّه به قلوبهم. لذلك ينبغي عليك ألا تضطرب عندما تسمع قول الرب: "كل شجرة تُعرف من ثمارها، هل يجتنون من الشوك عنبًا ؟ أو من الحَسَكِ تينًا؟" (لو 6: 44؛ مت 7: 16)... لكن أحيانًا تتشابك كروم العنب بين الحَسَك. لذلك عندما تسمع "الشوك" لا تتجاهل التفكير في العنب، إنّما اِبحث فتجد جذور الأشواك، وعليك أن تميِّزها من بين جذور الكرْم، وأعلم أن إحداها تُشير إلى قلب الكتبة والفرّيسيّين، والأخرى تُشير إلى كرسي موسى.]
حقًا لنقبل كلمات الخدّام ولا نمتثَّل بضعفاتهم أو شرورهم، كما لا ندين تصرفاتهم. هذا من جانبنا، أمّا من جانب الخدّام فيليق بهم أن يهتمّوا أن تكون أعمالهم ختمًا لكلماتهم، حتى لا تتحوّل عظاتهم وتوجيهاتهم إلى "فلسفة نظريّة". لهذا يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ما أسوأ أن نكون فلاسفة في الكلمات لا في الأعمال.]
يقول السيِّد: "فإنهم يحزمون أحمالاً ثقيلة عسرة الحَمل، ويضعونها على أكتاف الناس وهم لا يريدون أن يحرّكوها بإصبعهم" [4].الوصيّة في ذاتها ليست مستحيلة ولا ثقيلة، وإنما إذ تصدر عن معلّمين لا يجاهدون فيها يجدها الشعب حِملاً ثقيلاً عسر الحمل، قد حزمها المعلّمون، لا ليحملوها مع الشعب، وإنما ليثقِّلوا بها كاهل الآخرين، أمّا هم فلا يفكِّرون حتى في مجرّد تحريكها بإصبعهم. وعلى العكس فإن ذات الوصيّة إذ يقدّمها معلّمون مختبِرون ومجاهِدون يفرح بها الشعب ويتسابقون على حِملها معهم. هذا ما فعله السيِّد المسيح نفسه، فإنه إذ رأى البشريّة تتسابق على الكراسي فيحزمون لإخوتهم أحمالاً ثقيلة وهم لا يريدون أن يحرّكوها بإصبعهم، إذا به يترك كرسي مجده لينزل وسط شعبه يحمل أثقالنا ويكمّل الناموس عنّا، فيصير النير هيّنًا والحمل خفيفًا.
2. طلب المتكآت الأولى
بينما ترك هؤلاء المراءون الوصايا الإلهيّة لغيرهم اِمتدّت يدهم للعمل لا في تنفيذ الوصيّة وإنما في المظهريَّة التي يراها الناس، وكما يقول السيِّد المسيح: "وكل أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس، فيُعرِّضون عصائبهم ويُغطّون أهداب ثيابهم" [5].
ما هي هذه العصابة العريضة التي تغطِّي رؤوسهم، وأهداب الثياب الثمينة التي تغطي أخمص أقدّامهم، إلا الاهتمام بالمظهريّة في كل حياتهم من شعر رؤوسهم حتى أخمص القدمين، يطلبون الزينة الخارجيّة الثمينة التي تخفي حياة داخليّة فارغة بلا عمل ونفس فقدت حياتها!
ينشغل المُرائي بالعِصابة الجميلة والعريضة التي تغطِّي رأسه وذهنه، فلا يفكّر في أمور حياته الداخليّة ولا في خلاص نفسه، فلا يمكن أن يرتفع بذهنه إلى السماويات، إنّما يبقى منشغلاً بالجمال الزمني والمديح الباطل. أمّا الأهداب الذهبية الثمينة فإنها تشل حركة قدميه فيقف جامدًا أسير نظرة الناس، لا يقدر أن يتحرّك في الطريق الكرب المؤدي إلى الملكوت. إنه يخاف على أهداب ثوبه من طريق الملكوت!
يقول القدّيس جيروم: [كل إنسان يسلك لكي ينظره الناس هو كاتب وفرّيسي... ويل لنا نحن البائسين ورثة رذائل الفرّيسيّين. عندما أعطى الله شريعته لموسى وأوصى "اربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين يديك" (تث 6: 8). وهذا هو المعنى: لتكن تعاليمي على يدك لتتأمّلها نهارًا وليلاً؛ لكن الفرّيسيّين فسّروا الوصيّة حرفيًا فكانوا يكتبون الوصايا العشرة على أربطة صغيرة من الجلد ويطوُونها ويربطونها على رؤوسهم ليحملوها كل يوم أمام الناس. هذه العادة نشاهدها في أيامنا هذه عند الهنود والبابليّين الذين يحملون هذا التاج ليعبروا به أمام الناس... وكانت هذه الأربطة تسمى Phylatères، وهي كلمة مأخوذة عن اليونانيّة تعني "حماية". وحسب مفهومهم أن من يحملها يقتني حماية خاصة. هكذا لم يفهم الفرّيسيّون أنه يجب حمل الوصايا في القلب وإنما على الجسد. هذا وكانت خزائنهم وصناديقهم مملوءة كتبًا ولكن ليس لهم معرفة الله.]
لا يمس الرياء مظهر ثيابهم فحسب، وإنما يبتلع كل حياتهم، فيطلبون الكرامة البشريّة أينما وُجدوا، إن دُعوا كمجاملين في الولائم أو كقادةٍ في المجامع أو حتى إن ساروا في الأسواق، إذ يقول السيِّد:
ويحبُّون المتكأ الأول في الولائم،
والمجالس الأولى في المجامع،
والتحيَّات في الأسواق،
وأن يدعوهم الناس: سيِّدي، سيِّدي" [6-7].
إذ يسحب الرياء قلب المعلّم من أعماقه الداخليّة ليلهيه في العصابة التي يغطي بها رأسه وأهداب ثوبه، تبقى حياته الداخليّة في فراغٍ شديدٍ، فلا يقدر أن يطلب ما يخصّ حياته أو حياة إخوته، إنما يطلب ما هو لمجده الباطل. فإن دُعي في وليمة بدلاً من مشاركته الآخرين أفراحهم أو آلامهم بالحب الداخلي العملي يتسابق على المتكأ الأول. وإن جلس في مجمع لا يهتمّ بتقديم ما هو للبنيان، إنّما يطلب المجلس الأول. وإن نزل إلى الأسواق، لا يلتقي مع الشعب كواحدٍ منهم، بل يطلب التحيَّات والألقاب ليسمعهم يخاطبونه: "سيِّدي، سيِّدي". هذا كلّه دعا المعلّم الأعظم ربّنا يسوع المسيح أن يدخل في بدء خدمته وليمة عرس مُحتلاً الموضع الأخير لكي يخدمهم، مقدّمًا لهم خمر محبّته الفائق عِوض أجران مياه قلوبهم الباردة. وفي المجامع لم يحتل المجلس الأول إنّما بتواضعه كان يسحب الجماهير إلى التمتّع بالحق. لقد نزل إلى الأسواق في تواضع ليحل بين الشعب كواحدٍ منهم، يحملهم على كتفيه بكونهم خرافه الناطقة المريضة؛ يحتضنهم بالحب لينطلق بهم إلى السماويات.
يكمّل السيِّد المسيح حديثه الخاص برفض الكرامات الزمنيّة، قائلاً:
"وأما أنتم فلا تدعوا سيِّدي،
لأن معلّمكم المسيح، وأنتم جميعًا إخوة.
ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض، لأن أباكم واحد الذي في السماوات.
ولا تدعوا معلّمين، لأن معلّمكم واحد المسيح.
وأكبركم خادمًا لكم، فمن يرفع نفسه يتّضع، ومن يضع نفسه يرتفع" [8-11].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:50 pm

وأكبركم خادمًا لكم، فمن يرفع نفسه يتّضع، ومن يضع نفسه يرتفع" [8-11].
هل يريد السيِّد المسيح منّا مجرّد إلغاء الألقاب "سيِّدي وأبي ومعلّمي" بالنسبة للأشخاص الروحيِّين؟ يقول السيِّد المسيح "لا تدعوا لكم أبًا على الأرض"، وكأنه أراد أن ينزع عنّا نظرتنا للقادة الروحيّين كآباء "على الأرض" أي حسب الجسد الترابي. فإن السيِّد المسيح إذ نزل إلينا على أرضنا حاملاً طبيعتنا، إنّما يريد أن تكون بصيرتنا منفتحة نحو السماء لا الأرض، وعلاقتنا بالجميع، وخاصة القادة الروحيّين، لا ترتبط بالأرض بل بالسماء، نتمتّع بهم في المسيح يسوع ربّنا، فلا نعرف لنا سادة أو آباء أو معلّمين أرضيِّين جسديّين خارج المسيح، إنّما نعرفهم كروحيّين فيه.
ففي الوقت الذي فيه يقول السيِّد "لا تدعوا لكم أبًا على الأرض" يقول الرسول: "لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرين، لأني أنا ولدتكم في المسيح بالإنجيل" (1 كو 4: 15). إنه يعتزّ بأبوَّته لهم، لأنها "في المسيح بالإنجيل". مرّة أخرى لا يُحسب الرسول كاسرًا للوصيّة الإلهيّة حينما يعتزّ بدعوة أنسيموس ابنًا روحيًا له، إذ يقول:"أطلب إليك لأجل ابني أنسيموس الذي ولدته في قيودي... الذي هو أحشائي" (فل 10، 12). وبقوة الروح يدعو القدّيس يوحنا شعبه "يا أولادي" (1 يو 2: 1؛ 3 يو 4). خارج المسيح يفقد الكاهن أبوّته الروحيّة، وتصير دعوته أبًا اغتصابًا، أمّا في المسيح فيحمل أبوة الله لأولاده، مختفيًا وراء الله نفسه، فيقدّم لهم ما هو لله لا ما هو لذاته.
وما قلناه عن الأبوة نكرّره بخصوص دعوة القادة الروحيّين "معلّمين"، فقد حذَّرنا السيِّد: "لا تدعوا معلّمين لأن معلّمكم واحد المسيح"، لا لنفهمها حرفيًا، وإنما لكي لا نقبل من إنسانٍ تعليمه الذاتي، فلا ندعوه معلّمًا مباشرًا لنا، وإنما نقبله فقط متى جاءنا مختفيًا في تعليم المسيح الحق، فلا يُعلّم من عنديَّاته بل يُعلن كلمة المسيح وإنجيله وشهادته وحياته. لهذا يقول السيِّد نفسه لتلاميذه: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم... وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (مت 28: 20). أعطاهم حق التعليم بقوله: "علّموهم" فيُدعون معلّمين لكن لا يعلِّمون خارج المسيح بل "جميع ما أوصيتكم به"، خلال حلوله فيهم "ها أنا معكم". إنهم معلّمون حقيقيُّون ماداموا يعملون لحساب السيِّد وباسمه، وليس لحسابهم الخاص ومن عنديّاتهم.
لا يُحسب كسرًا للوصيّة أن يؤكّد الرسل وجود معلّمين في الكنيسة ماداموا مختفين في الرب. يقول الرسول: "أم المعلّم ففي التعليم" (رو 12: 7)، ويلقب نفسه معلّمًا: "الذي جُعلت أنا له كارزًا ورسولاً ومعلّما للأمم" (2 تي 1: 11).
هكذا أيضًا بالنسبة لدعوة الآخرين "سيِّدي"، فمن جهة وجود سادة لوجود فوارق طبقيّة وُجدت في ذلك الحين، فإن الرسل وضعوا بروح الإنجيل وبوحي الروح القدس وصايا للسادة والعبيد لا لتأكيد الفوارق وإنما للشهادة للحق، وإعلان روح الأخوة عند السادة نحو العبيد وروح الخضوع لدى العبيد نحو سادتهم لكن في الرب. وفي هذا كلّه يتصرَّف الجميع خلال منظار السيِّد المسيح (أف 6: 5-9، كو 3: 22، 1 بط 2: 18). خلال هذا الروح أمكن للبشريّة أن تحطِّم الرقيق ويتقبّل الناس بعضهم البعض إخوة، أعضاء لبعضهم البعض. أمّا بالنسبة للقادة الروحيّين فقد أراد السيِّد المسيح ألا يعطي لهم سلطان على الشعب اللهمّ إلا في الرب بالروح القدس. فالرسول بولس إذ يكتب إلى القدّيس فليمون يقول له بسلطان ولكن في الرب: "وإن كان لي بالمسيح ثقة كثيرة أن آمرك بما يليق، من أجل المحبّة أطلب.. حتى لا أقول أنك مديون لي بنفسك أيضًا" (فل 8-9، 19)... إنه سيّد له أن يأمر، لكنّه يسأل خلال المحبّة.
لم يتحرَّج الرسولان بولس وسيلا حين قال سجّان فيلبي لهما: "يا سيّديَّ ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟" (أع 16: 30)، إذ لم يكن هذا اللقب تملقًا... إنّما إدراكًا لسلطانهما في الرب. أمّا الرسولان فلم يهتمّا باللقب، وإنما بخلاص الرجل وأهل بيته. عندما يسود روح "الحياة الروحيّة الملتهبة" لا يكون للألقاب خطورتها على حياة الراعي، لأن شوقه لخلاص كل نفس يملأ قلبه، فلا يجد الرياء أو الكبرياء موضعًا فيه.
في اختصار نقول أن السيِّد المسيح لم يقصد إلغاء الألقاب بمفهوم حرفي قاتل، لكنّه أراد أن نلتقي بالقادة الروحيّين خلاله شخصيًا، نقبلهم فيه كروحيّين سمائيّين، ولا نرتبط بهم خلال التملق والمجاملات. لهذا يكمِّل: "وأكبركم يكون خادمًا لكم، فمن يرفع نفسه يتّضع ومن يضع نفسه يرتفع" [11-12].الخطورة أن يسعى القادة إلى العظمة عِوض الخدمة، فيرتفعون بأنفسهم ليسقطوا، أمّا القائد المتّواضع فإن الألقاب لا تزيده إلا شعورًا بالانسحاق وإحساسًا بالمسئوليّة واتّساعًا لقلبه لخدمة الجميع من أجل الرب لا الناس.
يقول القدّيس جيروم: [هناك فارق كبير بين دعوة إنسان كأبٍ أو معلّمٍ بالطبيعة وبين أن يكون ذلك للمجاملة. عندما ندعو إنسانًا أبًا يكون في ذلك إكرام وتوقير من أجل سنّه. وعندما ندعوه معلّما بكونه يشترك مع المعلّم الحقيقي.]
3. ظلم الآخرين مع ممارسة العبادة
يمتد الرياء لا ليسحب الخادم إلى الأمجاد الزمنيّة الباطلة فحسب، وإنما ليظلم الأرامل والمحتاجين من أجل إشباع نفسه، مغطِّيًا تصرفاته هذه بشكليِّات من العبادة وإطالة في الصلوات.
"لكن ويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراءون،
لأنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس،
فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون.
ويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراءون،
لأنكم تأكلون بيوت الأرامل ولِعلّه تُطيلون صلواتكم،
لذلك تأخذون دينونة أعظم" [13-14].
هكذا إذ تتضخَّم الأنا ego لا يطلب الراعي الكرامات فحسب، وإنما يجري وراء الماديَّات على حساب شعبه فيمتلئ، ولا يقدر أن يدخل طريق الملكوت الكرب خلال الباب الضيِّق، بل يقف خارجًا ليسد الطريق أمام الآخرين، فيتعثّر ويُعثِر. وكما قال النبي: "وكما يكمن لصوص لإنسان كذلك زمرة الكهنة في الطريق يقتلون نحو شكيم" (هو 6: 9).
يقول القدّيس جيروم: [على أي الأحوال المعلّم الذي يُعثِر تلاميذه بأعماله الرديئة يغلق ملكوت السماوات أمامهم.]
4. إعثار الدخلاء
"ويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراءون،
لأنكم تطوفون البحر والبرّ لتكسبوا دخيلاً واحدًا،
ومتى حصل تصنعونه ابنًا لجهنم أكثر منكم مضاعفًا" [15].
يبذل المرائي الكثير محتملاً مشقَّات السفر والحرمان ليكسب دخيلاً واحدًا، لكنّه إذ يدخل به إلى الإيمان يكتشف الدخيل فيه رياءه، فيتحطَّم إيمانه فيه. إنه يدرك عن قرب ثوب معلّمه المزيف، فلا يعود ينظر إلى كلماته، بل يتطلّع إلى أعماله الخفيّة الشرّيرة، فيترك الإيمان بلا رجعة، إذ لا يعود يفتح باب قلبه لكارزٍ آخر يشهد له عن الإيمان، حتى وإن كان الأخير رجلاً مباركًا، فإن الخبرة الأولى قد حطَّمت الدخيل. وربّما يسلك الدخيل طريقًا آخر، فإنه وإن كان لا يرتدّ عن الإيمان علنًا، لكنّه يرتدّ بسلوكه العملي، إذ يشرب من معلّمه مياه الرياء ليسلك بروحه وربّما بصورة أشد، وفي الحالتين يزج المرائي بالدخيل إلى نيران الظلمة الأبديّة.
ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على العبارة السابقة، قائلاً: [هنا يصدر الاتهام في أمرين: الأول عدم نفعهم في خلاص الكثيرين إذ يحتاجون إلى أتعاب كثيرة ليربحوا شخصًا واحدًا، والثاني الإهمال في حفظ من كسبوه. فإنهم ليس فقط يتَّسِمون بالإهمال بل والخيانة، إذ يفسدونه بحياتهم الشرّيرة ويجعلونه أشرّ منهم فلا يقف (الدخيل) عند شرّ معلّمه. فإنه إن رأى معلّمه إنسانًا فاضلاً يتمثل به، أمّا إن رآه شريرًا فيتعدَّاه في الشرّ بسبب الميل الطبيعي للإنسان نحو الشرّ.]
وكما يقول القدّيس جيروم: [كانوا يجتهدون ليصنعوا دخيلاً واحدًا من الشرفاء، يضمّونه إلى شعب الله... لكنّه إذ كان ينظر إلى معلّميه فيُدرك أن أعمالهم تهدم تعاليمهم يرجع إلى قيئه، وبعودته أمميًا يُحسب جاحدًا فيستحق عقابًا أشد ممّا كان عليه قبل قبوله الإيمان.]
5. النظرة الماديّة في العبادة
يفسد الرياء المعلّمين فعِوض أن يحكموا روحيًا حتى في الأمور الماديّة، إذا بهم يحكموا بمنظار مادي حتى في الروحيّات. فيرون في ذهب الهيكل أنه أفضل من الهيكل، والقربان أثمن من المذبح، فمن يُقسِم بذهب الهيكل أو القربان يلتزم بالقسَم أو من يقسِم بالهيكل نفسه أو المذبح فليس بشيءٍ. هكذا إذ تَظْلَمْ البصيرة الداخليّة ويصيبها العمى تنجذب النفس إلى المقدّسات لتطلب الماديَّات فحسب.
يرى القدّيس جيروم: [أنهم يسلكون لا بمخافة الله بل بالرغبة في الغنى]، فالذي يحلف بالذهب أو القربان يلتزم بدفع الذهب وتقديم القربان الأمر الذي ينتفع منه الكهنة، لكن من يحلف بالهيكل أو المذبح ويحنث بالقسم فلا يشغل قلبه في شيءٍ.
6. حرفيُّون في الوصيّة بلا روح
يظهرون في تنفيذ الوصيّة كمدقِّقين للغاية، فيُعشِّرون النِعناع والشبَت والكمُّون الخ. الأمور التي ربّما تُزرع بكميَّات قليلة جدًا في المنازل للاستعمال الشخصي، لكنهم يتركون أثقل الناموس: "الحق والرحمة والإيمان". من أجل المظهر يتمِّمون الأمور التافهة تحت ستار التدقيق، أمّا جوهر الوصيّة الخفي فلا يمسُّونه. يحملون في قلوبهم الكراهيّة والبُغضة والحسد، ويتخلُّون عن الحق والرحمة والإيمان. لكنهم يظهرون كمُحبِّي الحق والمدافعين عنه، أنقياء لا يظلمون أحدًا وأطهارًا، فيُصفُّون عن البعوضة، مع أنهم في الداخل يبلعون الجمل، وكما يقول السيِّد: "أيها القادة العميان الذي يُصفّون عن البعوضة ويبلعون الجمل" [24].
يرى القدّيس جيروم في ذلك جشع للقادة اليهود فإنهم يهتمّون بالعشور حتى بالنسبة للخضروات ذات القيمة البسيطة لأنها تدخل إلى بيوتهم، أمّا الوصايا الخاصة بالرحمة تجاه الفقراء والأرامل والأيتام ومحبّة الله فيتهاونون فيها. وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: إنهم يدقّقون في الوصيّة التي تحقّق هدفهم المادي وجشعهم ويتهاونون في الوصيّة التي تمسّ علاقتهم مع الله وحياتهم الروحيّة، مع أن كسر أيّة وصيّة إنّما هو كسر للناموس كله. إذ يقول: "عصيان وصيّة واحدة هو عصيان للناموس" (يع 2: 10)، إذ يجعله بلا ناموس. فإن تجاهل أحد هذه الوصايا خاصة الهامة منها، فأيّة كلمات يجدها قادرة أن تُخلِّصه من العقوبة التي يستحقَّها؟! هذا ما اِستحقَّه الفرّيسيّون من توبيخات قاسية إذ حَكم عليهم الرب: "ويل لكم أيها الفرّيسيّون لأنكم تُعشِّرون النَعنع والسَذاب وكل بَقْل وتتجاوزون الحق ومحبّة الله" (لو 11: 42). فإذ هم طامعون أكثر من غيرهم ومشغوفون بالربح القبيح أمروا بضرورة ملاحظة شريعة العشور بدقّة وحرفيّة حتى لا يحذفوا من حساباتهم أقل الأمور والبقول التي بلا ثمن، بينما يتجاهلون ما كان يجب مراعاته من وصايا هامة أعطيت بواسطة موسى مثل الحق الذي يحقّق العدالة في الحكم ومحبّة الله. لقد وبَّخهم الروح بصوت داود: "الله قائم في مجمع الآلهة يقضي وسط الآلهة، حتى متى تقضون جورًا، وترفعون وجوه الأشرار؟!" (مز 82: 1). كما اتَّهمهم على لسان إشعياء: كيف صارت المدينة الأمينة صهيون زانية، ملآنة حقًا كان العدل يبيت فيها وأما الآن فقاتلون؛ صارت فضتك زَغْلاً، ويخلِط تُجَّارك الخمر بالماء، رؤساؤك متمرِّدون وشركاء اللصوص، كل واحد منهم يحب الرشوة ويتبع العطايا، لا يقضون لليتيم ودعوى الأرملة لا تصل إليهم. فإن القضاء بالجور ليس من عمل محبِّي الإخوة.
ويُعلّق القدّيس أمبروسيوس على دعوة الفرّيسيّين "عميانًا" موضّحًا أنهم بلا عذر فقد رأوا السيِّد المسيح لكن حسب الجسد ببصيرة روحيّة عمياء، إذ أظْلم الرياء وحرفيّة العبادة قلوبهم، قائلاً: [لم يبصِره اليهود مع أنهم رأوه.] غير أن رجال الإيمان من أسلافهم لم يروا الرب بالجسد، لكنهم عاينوه روحيًا، إذ لهم البصيرة المستنيرة، لهذا يقول الكتاب أن الشعب كان يرى صوت الله (خر 2: 18). ويُعلّق القدّيس، قائلاً: [من الواضح أن الصوت يُسمع ولا يُرى، فما الصوت إلا موجات تسمعها الأذن ولا تراها الأعين. هذه فكرة عميقة دفعت موسى ليؤكّد أن الإنسان يرى صوت الرب، يراه داخل القلب حيث يشخص إليه بعينيّه (الداخليّتين)... رآه إبراهيم كما هو مكتوب: "إبراهيم تهلّل بأن يرى يومي" (يو 8: 56).. رأى الرب مع أنه بالتأكيد لم ينظره بالجسد... الذين صرخوا: أصلبه، أصلبه، لم يروه، "لأنهم لو عرفوا رب المجد لما صلبوه" (1 كو 2: 8).]
7. شكليُّون في العبادة بلا حياة
من أجل الناس يظهرون كمدقِّقين، ليس فقط في تنفيذ الوصيّة، وإنما في الطقس أيضًا، فيهتمّون جدًا بنقاوة الكأس والصحفة من الخارج، ولا يبالون بما يحملونه في الداخل غير المنظور، فصاروا أشبه بالقبور الجميلة المبْيَّضة من الخارج ومن الداخل مملوءة نتانة وكل نجاسة.
حقًا ما أخطر أن يهتمّ الإنسان بشكليّات العبادة الخارجيّة دون أن يلتقي بالسيِّد المسيح نفسه جوهر عبادتنا وسرّ حياتنا، فتصير العبادة ليست كأسًا للخلاص، وإنما يحمل موتًا للنفس وضيقًا للجسد. وتتحوّل حياة الإنسان إلى قبر جميل من الخارج ينعته الناس بالجمال الروحي والنقاوة، إذ هو مبيَضّ بينما في داخله يحمل نفسًا ميّتة ونجاسة، وإذ لا يجد السيِّد المسيح فيها له مسكنًا. وكما يقول القدّيس جيروم: [كما أن القدّيس هو هيكل الله، هكذا الخاطي يُقيم من نفسه قبرًا.]
8. مقاومون للحق تحت ستار الدين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:50 pm

8. مقاومون للحق تحت ستار الدين
إذًا يهتمّ الكتبة والفرّيسيّون ببناء قبور الأنبياء ويزيِّنون مدافن الصدِّيقين، فإنهم بهذا العمل إنّما يشهدون عما فعله آباؤهم بالأنبياء والصدِّيقين، إذ قاوموهم وقتلوهم. وها هم يكمِّلون مكيال آبائهم مدبِّرين المؤامرات لقتل السيِّد المسيح نفسه. يخاطبهم القدّيس جيروم على لسان السيِّد المسيح، قائلاً: [املأوا بدوركم مكيال آبائكم، فما لم يحقّقوه هم أكملوه أنتم؛ هم قتلوا الخدّام، وأنتم تصلبون المعلّم. هم قتلوا الأنبياء وأنتم تصلبون ذاك الذي تنبَّأ عنه الأنبياء.]
هكذا يدفع الرياء الإنسان من عمل شرير إلى آخر حتى ينتهي بمقاومة الحق تمامًا، مقدّمين دم الأبرياء ثمنًا رخيصًا في أعينهم، إنه يُحذّرهم من هذا المرض الخبيث الذي هو الرياء، الذي دخل بهم إلى دوَّامة المظهر الباطل والكرامة الزمنيّة ليعبر بهم إلى اغتصاب حقوق الأرامل، متستّرين تحت لواء الكرازة، فيدخلون بالدخلاء إلى نار جهنّم، وتحت ستار الوصيّة يقدّمون ما هو ظاهر، ويكسرون جوهرها. هكذا يلتحفون بشكليَّات العبادة، فيحكمون على أنفسهم بالموت، متستِّرين بقبر أجسادهم، وأخيرًا ها هم يدبِّرون المؤامرات لقتل ابن الله الوحيد ثمنًا للحفاظ على كراسيهم وسلطانهم وكرامتهم، تحت ستار الدفاع عن مجد الله والناموس والأنبياء.
"أيها الحيّات أولاد الأفاعي،كيف تهربون من دينونة جهنّم؟
لذلك هأنذا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة،
فمنهم تَقتلون وتَصلبون، ومنهم تَجلدون في مجامعكم، وتَطردون من مدينة إلى مدينة.
لكي يأتي عليكم كل دم زكي سُفك على الأرض،
من دم هابيل الصدِّيق إلى دم زكريّا بن برخبا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح" [33-35].
من هو زكريّا بن برخيا؟ يرى القدّيس جيروم أنه وجد في عصره ثلاثة آراء:
1. زكريّا النبي أحد الأنبياء الصغار، وإن كان اسم أبيه مطابقًا لكلمات السيِّد، لكن لم يذكر الكتاب شيئًا عن سفك دمه بين الهيكل والمذبح، خاصة وأن الهيكل في عصره كان مجرّد حطام.
2. زكريّا أب يوحنا المعمدان، قُتل بسبب نبوّته عن مجيء المخلّص، لكن القدّيس جيروم لا يقبل هذا الرأي.
3. زكريّا الذي قتله يوآش ملك يهوذا كما جاء في أخبار الأيام الثاني (24: 21)، لكن اسم أبيه كما جاء في الكتاب المقدّس هو يهوياداع. ويرى القدّيس جيروم أن برخيا تعني "بركة" أو "مبارك من الرب"، ويهوياداع تعني "قداسة"، وإن الشخص يحمل الاسمين، لذلك يحبذ القدّيس جيروم هذا الرأي.
9. الحكم بالخراب الأبدي
إذ تظاهروا بالغيرة على مجد الله والهيكل والناموس والأنبياء، متطلّعين إلى السيِّد كمقاومٍ لهذه جميعها، دفعوا أنفسهم مع الشعب إلى الخراب الأبدي بتشويههم للحق، فيحملون ثمر أعمالهم وأعمال آبائهم.
"الحق أقول لكم أن هذا كلّه يأتي على هذا الجيل.
يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء والمرسلين إليها،
كم مرّة أردتُ أن أجمع أولادك،
كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا.
هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا.
لأني أقول لكم أنكم لا ترونني من الآن
حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب" [36-39].
لقد بكى السيِّد على أورشليم عندما اقترب منها، وهو يقول: "إنك لو علمتِ أنتِ أيضًا حتى في يومك هذا ما هو لسلامك، ولكن الآن قد أُخفيَ عن عينيّك، فإنه ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة، ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة، ويهدمونك وبنيك فيك، ولا يتركون فيك حجرًا على حجر، لأنك لا تعرفي زمان افتقادك" (لو 19: 42-44). ويبقى السيِّد المسيح يبكي على كل نفس قبلته كأورشليم وصارت هيكلاً له ثم عادت فتنجَّست وقاومته. يقول العلاّمة أوريجينوس: [في الحقيقة نحن أورشليم التي بكاها يسوع... فبعد أن عرفنا أسرار الحق وكلمات الإنجيل وتعاليم الكنيسة، وبعد أن رأينا أسرار الرب نخطئ!... بكى على أورشليمنا فبسبب خطيّتها، إذ يحاصرها الأعداء، ويهدمون بنيها فيها، ولا يتركون فيها حجرًا على حجر. هذا ما يحدث الآن، فبعد أن يعيش إنسان في نسك كامل لسنين ينهزم أمام جاذبيَّة الجسد، ولا يقدر أن يحتمل مستلزمات الطهارة، فيتدنّس الإنسان ويعيش في عدم طهارة، وكأنه لا يُترك فيه حجر على حجر. وفي موضع آخر نقرأ: "كل بِرِّه الذي عمله لا يُذكر، في خيانته التي خانها وفي خطيّته التي أخطأ بها يموت" (خر 18: 14). هذه هي أورشليم التي يُبكى عليها.]
ويقول القدّيس كيرلّس الكبير: [ها أنت ترى أنه بالحقيقة غالبًا ما يطلب أن يمنحهم رحمته لكنهم رفضوا معونته، لذلك أدانهم قانون الله المقدّس، ونزعهم عن عضويَّة بيته الروحي.]
ويقول القدّيس جيروم: [أتيت كالدجاجة لأحميهم، لكنهم استقبلوني بالكراهيّة والغدر. جئت كأم وهم ظنّوا إني قاتلهم فقتلوني.]
ويرى القدّيس أغسطينوس أن السيِّد شبَّه نفسه بالدجاجة، لأنها إذ تحتضن بيضها أو يكون لها صغار يضعف جسمها جدًا ويسقط ريشها لاهتمامها بصغارها. وكأن في ذلك رمز لعمل السيِّد المسيح الذي نزل إلينا يحمل ضعفنا بحبّه ورعايته الإلهيّة.
1 حينئذ خاطب يسوع الجموع و تلاميذه
2 قائلا على كرسي موسى جلس الكتبة و الفريسيون
3 فكل ما قالوا لكم ان تحفظوه فاحفظوه و افعلوه و لكن حسب اعمالهم لا تعملوا لانهم يقولون و لا يفعلون
4 فانهم يحزمون احمالا ثقيلة عسرة الحمل و يضعونها على اكتاف الناس و هم لا يريدون ان يحركوها باصبعهم
5 و كل اعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس فيعرضون عصائبهم و يعظمون اهداب ثيابهم
6 و يحبون المتكا الاول في الولائم و المجالس الاولى في المجامع
7 و التحيات في الاسواق و ان يدعوهم الناس سيدي سيدي
8 و اما انتم فلا تدعوا سيدي لان معلمكم واحد المسيح و انتم جميعا اخوة
9 و لا تدعوا لكم ابا على الارض لان اباكم واحد الذي في السماوات
10 و لا تدعوا معلمين لان معلمكم واحد المسيح
11 و اكبركم يكون خادما لكم
12 فمن يرفع نفسه يتضع و من يضع نفسه يرتفع
13 لكن ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس فلا تدخلون انتم و لا تدعون الداخلين يدخلون
14 ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تاكلون بيوت الارامل و لعلة تطيلون صلواتكم لذلك تاخذون دينونة اعظم
15 ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تطوفون البحر و البر لتكسبوا دخيلا واحدا و متى حصل تصنعونه ابنا لجهنم اكثر منكم مضاعفا
16 ويل لكم ايها القادة العميان القائلون من حلف بالهيكل فليس بشيء و لكن من حلف بذهب الهيكل يلتزم
17 ايها الجهال و العميان ايما اعظم الذهب ام الهيكل الذي يقدس الذهب
18 و من حلف بالمذبح فليس بشيء و لكن من حلف بالقربان الذي عليه يلتزم
19 ايها الجهال و العميان ايما اعظم القربان ام المذبح الذي يقدس القربان
20 فان من حلف بالمذبح فقد حلف به و بكل ما عليه
21 و من حلف بالهيكل فقد حلف به و بالساكن فيه
22 و من حلف بالسماء فقد حلف بعرش الله و بالجالس عليه
23 ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تعشرون النعنع و الشبث و الكمون و تركتم اثقل الناموس الحق و الرحمة و الايمان كان ينبغي ان تعملوا هذه و لا تتركوا تلك
24 ايها القادة العميان الذين يصفون عن البعوضة و يبلعون الجمل
25 ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تنقون خارج الكاس و الصحفة و هما من داخل مملوان اختطافا و دعارة
26 ايها الفريسي الاعمى نق اولا داخل الكاس و الصحفة لكي يكون خارجهما ايضا نقيا
27 ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تشبهون قبورا مبيضة تظهر من خارج جميلة و هي من داخل مملوءة عظام اموات و كل نجاسة
28 هكذا انتم ايضا من خارج تظهرون للناس ابرارا و لكنكم من داخل مشحونون رياء و اثما
29 ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تبنون قبور الانبياء و تزينون مدافن الصديقين
30 و تقولون لو كنا في ايام ابائنا لما شاركناهم في دم الانبياء
31 فانتم تشهدون على انفسكم انكم ابناء قتلة الانبياء
32 فاملاوا انتم مكيال ابائكم
33 ايها الحيات اولاد الافاعي كيف تهربون من دينونة جهنم
34 لذلك ها انا ارسل اليكم انبياء و حكماء و كتبة فمنهم تقتلون و تصلبون و منهم تجلدون في مجامعكم و تطردون من مدينة الى مدينة
35 لكي ياتي عليكم كل دم زكي سفك على الارض من دم هابيل الصديق الى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل و المذبح
36 الحق اقول لكم ان هذا كله ياتي على هذا الجيل
37 يا اورشليم يا اورشليم يا قاتلة الانبياء و راجمة المرسلين اليها كم مرة اردت ان اجمع اولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها و لم تريدوا
38 هوذا بيتكم يترك لكم خرابا
39 لاني اقول لكم انكم لا ترونني من الان حتى تقولوا مبارك الاتي باسم الرب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:51 pm

الأصحاح الرابع والعشرون
علامات مجيء الملكوت
حديث السيِّد المسيح عن مجيء الملكوت السماوي يشغل أذهان الكثيرين بكونه حديثًا نبويًا، أعلن عن مجيء الملكوت الأخروي، ومجيئه في كنيسة العهد الجديد، كما يمتزج بمجيئه داخل النفس.
1. هدم الهيكل القديم 1-2.
2. ظهور مسحاء كذبة 3-5.
3. قيام حروب وكوارث 6-7.
4. حدوث مضايقات 8-10.
5. ظهور أنبياء كذبة 11-14.
6. رجسة خراب الهيكل 15.
7. وصايا للدخول في الملكوت 16-20.
8. الضيقة العُظمى 21-22.
9. ظهور مسحاء كذبة 23-28.
10. انهيار الطبيعة 29.
11. ظهور علامة ابن الإنسان 30-31.
12. مثل شجرة التين المخضرّة 32-34.
13. تأكيد مجيئه 35-36.
14. الاستعداد لمجيئه 37-40.
15. مثَل العبد والسيِّد القادم 41-51.
1. هدم الهيكل القديم
"ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل،
فتقدّم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل.
فقال لهم يسوع: أما تنظرون جميع هذه،
الحق أقول لكم أنه لا يُترك ههنا حجر على حجر لا يُنقض" [1-2].
كان اليهود يتطلّعون إلى الهيكل بكونه علامة ملكهم، فهو الموضع الوحيد الذي فيه يُعلن الله مجده ويتقبّل من أيدي مؤمنيه الذبائح والتقدمات. أينما وُجد المؤمن، وحلت به ضائقة، تطلّع نحو الهيكل لينعم بعونٍ إلهيٍ. وكانت أبنية الهيكل بضخامتها علامة عظمة ملكوتهم، لهذا أراد التلاميذ أن يُرُوا السيِّد المسيح هذه المباني، لكن السيِّد أكّد لهم: "لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض". فماذا أراد السيِّد بكلماته هذه؟
كان الهيكل مع قدسيَّته قد تحوّل في حياة اليهود بسبب ريائهم وفكرهم المادي إلى عقبة أمام العبادة الروحيّة. فقد انشغلوا بعظمة الهيكل الخارجي عن قدسيَّة هيكل القلب الداخلي، فكانوا يهتمّون عبر العصور بإصلاح المباني لا القلب، الأمر الذي كرّس أغلب الأنبياء حياتهم لتصحيح هذا المفهوم خاصة إرميا النبي. فمن كلماته المشهورة: "لا تتّكلوا على كلام الكذب، قائلين: "هيكل الرب، هيكل الرب هو" (إر 7: 4). وجاء بعده حزقيال النبي يُعلن لهم ثمرة اهتمامهم بالمبنى دون الحياة الداخليّة أن مجد الرب يفارق البيت (حز 10: 18-19)، بل ويفارق المدينة كلها (حز 11: 22-23).
ما قاله السيِّد قد تحقّق حرفيًا عام 70م. حين أصرّ الجنود الرومان تحت قيادة تيطس على هدم الهيكل تمامًا، وكان ذلك إعلانًا عن قيام الهيكل الجديد لكنيسة العهد الجديد بمفاهيم جديدة.
على أي الأحوال، هذا هو عمل الروح القدس في مياه المعموديّة أن يحطم إنساننا القديم، فلا يترك حجر على حجر من أعماله الشرّيرة فينا، ويقوم هيكل جديد ليس من صنع أيدينا، هو الإنسان الجديد على صورة خالقنا. هذا العمل هو بداية حلول الملكوت فينا، وعربون للتمتّع بالملكوت الأخروي، خلاله ننتظر بفرح مجيء الرب كعريسٍ لنفوسنا.
2. ظهور مسحاء كذبة
"وفيما هو جالس على جبل الزيتون تقدّم إليه التلاميذ على انفراد، قائلين:
قل لنا متى يكون هذا؟
وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر؟
فأجاب يسوع، وقال لهم: انظروا لا يضلّكم أحد.
فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين:
أنا هو المسيح، ويضلّون كثيرين" [3-5].
إن كان الله في إقامته للملكوت يُعلن ذاته فينا، حاسبًا إيّانا هيكله المقدّس، فإن عدوّ الخير لا يواجه هذا الأمر بالصمت، بل بالأحرى تزداد حربه ضدّنا. وكما يُقيم المسيح ملكوته فينا، يرسل الشيطان مضلِّلين مُدَّعين أنهم مسحاء لكي يقيموا مملكة إبليس داخل الإنسان.
لقد عبَّر التلاميذ بسؤالهم عن مجيء الرب الأخير عما يدور في أذهان البشريّة في كل العصور، وهو رغبتهم في معرفة المستقبل وتحديد الأزمنة. لكن السيِّد لم يحدّد مواعيد، مكتفيًا بتقديم العلامات، لا ليعرفوا الأزمنة، وإنما لكي لا يخدعهم المسحاء المضلّلون، الذي يظهرون لأجل مقاومة الحق تحت ستار الدين نفسه.
لقد تحوّل كثير من الكتاب الدينيّين ودارسي الكتاب المقدّس المعاصرين إلى الانشغال بتحديد أزمنة مجيء السيِّد، بل وقامت بعض الطوائف هي في حقيقتها غير مسيحيّة مثل شهود يهوه تحوّل كلمة الله من كلمة للخلاص والتمتّع بالملكوت السماوي، كملكوت حاضر داخل القلب إلى مناقشات فكريّة عقيمة تسحبنا إلى مجادلات فكريّة تخص تحديد الأزمنة، الأمر الذي يرفضه السيِّد تمامًا.
لقد أوضح السيِّد غاية حديثه هذا عن علامات مجيئه في نهاية الاصحاح، ألا وهو السهر الدائم وانتظار مجيء الملكوت على الدوام، أي تهيئة النفس لملاقاة العريس الأبدي لتدخل معه في شركة أمجاده.
3. قيام حروب وحدوث كوارث عامة
"وسوف تسمعون بحروب وأخبار حروب.
انظروا لا ترتاعوا، لأنه لابد أن تكون هذه كلها،
ولكن ليس المنتهى بعد.
لأنه تقوم أُمَّة على أُمَّة، ومملكة على مملكة،
وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في أماكن.
ولكن هذه كلها مبتدأ الأوجاع" [6-8].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:51 pm

ولكن هذه كلها مبتدأ الأوجاع" [6-8].
ليس عجيبًا أن تكون علامات مجيء السيِّد في مجموعها تمثِّل جوانب متعدّدة من الآلام والأتعاب والكوارث، فإن هذا هو الطريق الذي يهيئ لمجيئه، كيف؟ كلما أدرك عدوّ الخير أي الشيطان أن مملكة المسيح قادمة على الأبواب ازدادت حربه ضدّ المؤمنين لكي يقتنص ما استطاع كأعضاء في مملكته مقاومين مملكة المسيح. في هذا كلّه يزداد المؤمنون الساهرون والحكماء قوّة وثباتًا فيتزكّون، وكأنه خلال هذه المتاعب يملأ الشيطان كأس شرّه، وتمتلئ كأس المجاهدين بركة، فتقترب النهاية لكي ينال الشيطان وجنوده ثمار شرّهم ويتمتّع المجاهدون الحقيقيُّون بالإكليل.
أما بدء هذه الآلام التي يثيرها عدوّ الخير فهي تهيئة جوّ خانق للنفس من حروب وأخبار حروب وانقسامات على مستوى الأمم والممالك، وظهور أوبئة، وحدوث زلازل الخ. إنه يريد أن يحطَّم نفسيَّة الناس، فيرون إخوتهم كأشرار منقسمين يثيرون الحروب، فيعيشون في رعب خائفين من الحرب. والذين لا تلحقهم الحروب يتعرّضون للأوبئة والأمراض فيرتبكون خائفين على حياتهم الزمنيّة. وإن هربوا من الأمراض تلاحقهم الزلازل التي تتم فجأة. إن هدف عدوّ الخير أن يشغل المؤمن بعيدًا عن الفرح بمجيء المسيح، فيلهيه بالمشاكل الإنسانيّة (الحروب) والصحيّة بل والطبيعية (الزلازل)، وكأن العالم كلّه قد اسوَّد في عينيه، ليس من معين ولا من سند له.
إن تركنا المعنى الحرفي لنتأمّل في تمتّعنا بملكوت الله داخلنا، فإنّنا نلاحظ إنه ما أن يقترب المؤمن بالروح القدس نحو مسيحه حتى يجد عدوّ الخير يشغله بمشاكل كثيرة، تخص الآخرين أو جسده أو العالم المادي المنظور، فتلهيه عن خلاص نفسه وتفكيره في الملك المسيح.
4. حدوث مضايقات
"حينئذ يسلّمونكم إلى ضيق، ويقتلونكم،
وتكونون مبغضين من جميع الأمم لأجل اسمي.
وحينئذ يعثر كثيرون، ويسلّمون بعضهم بعضًا،
ويبغضون بعضهم بعضًا" [9-10].
إذ يتقبّل الإنسان ملكوت الله داخله ينتقل من الضيقة العامة، أي الجو الخارجي الذي يثيره العدوّ ضدّ الملكوت بقصد إرباك المؤمنين وشغلهم عن المسيح، ليدخل بهم إلى ضيقات خاصة بهم، فيهيّج العدوّ الآخرين عليهم لمضايقتهم وقتلهم، لا لذنب ارتكبوه، وإنما من أجل "اسم المسيح"، وهذه هي جريمتهم. فالضيقة هي إحدى ملامح الطريق الأساسية للملكوت، إذ يمتلئ القلب من الداخل فرحًا بالمسيح الساكن فيه، بينما يُعصر في الخارج بالضيق.
5. ظهور أنبياء كذبة
"ويقوم أنبياء كذبة كثيرون، ويضلّون كثيرين،
ولكثرة الإثم تبرد محبّة الكثيرين،
ولكن الذي يصير إلى المنتهى فهذا يخلّص.
ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم،
ثم يأتي المنتهى" [11-14].
هذا هو السهم الثالث الذي يصوِّبه عدوّ الخير ضدّ أبناء الملكوت. السهم الأول هو خلق جو عام قابض للإنسان يسحبه بعيدًا عن حياته الداخليّة، السهم الثاني هو تصويب الضيق إليه شخصيًا من أجل المسيح، أمّا الثالث وهو الأخطر فهو تصويب السهم ضدّ الإيمان، لينحرف به بعيدًا عن مسار الملكوت. فإن كان من الجانب التاريخي يظهر أنبياء كذبة يضلّلون الكثيرين، فإن هذا أيضًا يمكن أن يأخذ صورًا متعدّدة، كظهور فلسفات جديدة، ربّما تختفي وراء الدين، غايتها أن تقدّم أفكارًا برّاقة فلسفيّة وأخلاقيّة بعيدة عن الحياة مع المخلّص واختبار عمل الروح القدس الناري فينا. إنهم يلبسون ثوب النبوّة أو التديّن، لكنهم مضلِّلون يقودون النفس بعيدًا عن سرّ حياتها الحقيقي.
ويظهر ثمر هؤلاء الأنبياء الكذبة عمليًا إذ تبرد محبّة الكثيرين، فيصير التديُّن كلمات جوفاء ومعرفة ذهنيّة وفلسفات بلا روح. يفقد الإنسان قلبه، فلا يقدر أن يحب الله والناس بل يبقى كائنًا جامدًا. إن كان عمل إبليس هو بث البرود الروحي في حياة الناس، خاصة خلال الأنبياء الكذبة، فإن الله هو وحده الذي ينزع هذا البرود. وكما يقول القدّيس جيروم: [إن كان الله نارًا، فهو نار لكي يسحبنا من برود الشيطان... ليت الله يهبنا ألا يزحف البرود إلى قلوبنا، فإنّنا لا نرتكب الخطيّة إلا بعد أن تصير المحبّة باردة.]
هنا يقدّم لنا السيِّد وعدًا ليبعث فينا الرجاء، وهو أنه بقدر ما تنتشر الأضاليل ويخسر الكثيرون حياة الحب يعمل روح الله بقوَّة للكرازة بين الأمم في كل المسكونة. إنه صراع بين النور والظلمة، ينتهي بنصرة النور؛ مقاومة الباطل للحق تنتهي بتزكيَّة الحق ونموّه فينا.
6. رجسة خراب الهيكل
في العبارات السابقة حدّثنا السيِّد عن نهاية الهيكل وخراب أورشليم بطريقة خفيَّة، أمّا هنا فيتحدّث علانيّة، إذ يقول: "فمتى نظرتم رِجْسَة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدّس، ليفهم القارئ" [15].هكذا كان السيِّد المسيح يدعوهم لقراءة سفر دانيال (9: 27)، ليتأكَّدوا من خراب الهيكل اليهودي.
ما هي رِجْسَة الخراب هذه؟
أولاً: يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [أنها تعني الجيش الذي به خربت أورشليم]؛ نقلاً عن كلمات السيِّد نفسه: "ومتى رأيتم أورشليم محاطة بجيوش، فحينئذ اِعلموا أنه قد اِقترب خرابها" (لو21: 20). فقد دخل الأمم الهيكل ودنَّسوه بل وحطَّموه تمامًا، وكان ذلك علامة نهاية الملكوت الحرفي، وقيام الملكوت الروحي.
ثانيًا: يقول القدّيس جيروم: [يمكن أن تفهم عن تمثال قيصر الذي وضعه بيلاطس في الهيكل أو (تمثال) هادريان الفارسي الذي أُقيم في قدس الأقداس... في العهد القديم يُدعى التمثال بالرِجْسة، وقد أضيفت كلمة "خراب"، لأن التمثال قد وُضع في وسط الهيكل المهجور.] وقد أخذ القدّيس يوحنا الذهبي الفم بذات الرأي أيضًا.
ثالثًا: يرى القدّيس هيلاري أسقف بواتييه أن هذه الرِجْسَة إنّما تُشير لما يحدّث في أيام ضد المسيح إذ يقول: [أعطى الله علامة كاملة عن مجيئه الأخير، إذ يتحدّث عن أيام ضدّ المسيح. يسمِّيها رِجْسَة لأنه يأتي ضدّ الله ناسبًا كرامة الله لنفسه. إنها رِجْسَة خراب لأنه يدمر الأرض بالحروب والقتل. يقبله اليهود، فيأخذ موقف التقدّيس، وفي الموضع الذي تقام فيه صلوات القدّيسين يستقبلون الخائن كمن هو مستحق لكرامة الله. وإذ يصير هذا الخطأ شائعًا بين اليهود فينكرون الحق ويقبلون الباطل، لذلك يطلب الله (من شعبه) أن يتركوا اليهوديّة ويهربوا إلى الجبال حتى لا يعوقهم أتباعه ولا يؤثِّرون عليهم.]
7. وصايا للدخول في الملكوت
"فحينئذ ليهرب الذين في اليهوديّة إلى الجبال،
والذي على السطح، فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئًا،
والذي في الحقل، فلا يرجع إلى ورائه ليأخذ ثيابه،
وويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام،
وصلّوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت" [16-20].
من الجانب التاريخي إذ رأى المسيحيّون الذين في أورشليم الرومان يحاصرونها أدركوا ما سيحل بها من خراب، كقول الرب فهربوا سريعًا. وهذا ما يحدث عند مجيء ضدّ المسيح كما رأينا في كلمات القدّيس هيلاري السابقة، فإذ تراه الكنيسة قد أقام نفسه إلهًا في هيكل الرب (2تس1-4) تهرب إلى البرّيّة "حيث لها موضع مُعد من الله، لكي يعولها هناك ألفًا ومائتين وستين يومًا" (رؤ 12: 6).
وفي حياتنا الروحيّة إذ نرى هيكل الحرف ينهار في داخلنا، يلزمنا أن نهرب من اليهوديّة إلى الجبال، أي من حرفيّة اليهود في فهم الوصيّة إلى انطلاقة الروح العالية لتدخل إلى الفهم السماوي. وكما يقول العلاّمة أوريجينوس: [ليت الذين ينظرون هذا يهربون من حرف اليهوديّة إلى جبال الحق العالية. وإن صعد أحد إلى سطح الكلمة ووقف على قمّتها فلا ينزل ليطلب شيئًا من بيته، وإن كان في الحقل حيث يختبئ فيه الكنز فلا يرجع إلى الوراء، بل يجري من خطر خداع الكلمة الباطلة (ضد المسيح)، ويكون هذا على وجه الخصوص متى خلع ثوبه القديم فلا يرتدّ إليه ليلبسه مرّة أخرى.]
الجبال كما يقول القدّيس أغسطينوس: تشيرإلى النفوس العالية أو إلى القدّيسين حيث تستند التلال (النفوس الصغيرة) عليها. وكأن دعوة السيِّد المسيح للهروب هنا هي دعوة للالتصاق بالقدّيسين والشركة معهم.
يوصي السيِّد مَنْ كان قد ارتفع بالروح القدس من طابق إلى آخر كما من مجدٍ إلى مجدٍ حتى بلغ السطح ليرى السماء قدام عينيّه واضحة ومكشوفة، لا تعوقها الأسقف الطينيّة أي الأمور الزمنيّة، فلا ينزل ثانية لتبقى حياته في حالة صعود بلا نزول، مع انتظار على السطح لرؤية السيِّد قادمًا على السحاب فلا يعود يطلب الأمور الزمنيّة التي هي سُفليّة.
v السطح هو أعلى مكان في البيت، قمّة المبنى وكماله، لذلك من يقف عليه يكون كاملاً في قلبه، متجدِّدًا، غالبًا في الروح، ليحتفظ لئلا ينزل إلى الأمور الدنيا ويشغف بالممتلكات الزمنيّة.
القدّيس هيلاري أسقف بواتييه
v لنحذر في الضيقة من النزول عن المرتفعات الروحيّة ونرتبط بالحياة الجسدانيّة. ومن تقدّم لا ينظر إلى الوراء فيطلب الأمور الأولى ويتردّد راجعًا إلى الأمور السُفليّة.
القدّيس أغسطينوس
v من له ثوب المسيح فلا ينزل من السطح ليحضر ثوبًا آخر.
v لا تنزل من سطح الفضيلة لتطلب الملابس التي كنت ترتديها قديمًا، ولا ترجع من الحقل إلى البيت.
القدّيس جيروم
v إن كان أحد على السطح، أي سبق فصعد إلى القمة حيث الفضائل العُظمى، فلا يعود ينزل إلى أعماق الأرض وهذا العالم. على السطح وقفت راحاب الزانية، رمز الكنيسة، واتّحدت في شركة الأسرار نيابة عن شعوب الأمم. خبَّأت الجاسوسين اللذين أرسلهما يشوع (يش 2: 1)، فلو نزلا إلى أسفل البيت لقتلهما الذين أُرسِلوا للقبض عليها. إذن السطح هو قمّة الروح حيث يتحصَّن الإنسان من ضعف الجسد الخائر بلا قوّة. هنا أفكر في المفلوج الذي حمله أربعة رجال ودلُّوه من السطح!... لنتبع بطرس الذي شعر بالجوع فصعد إلى سطح المنزل (أع 10: 9)، فهناك عرف سرّ نشأة الكنيسة، فما كان ينبغي له أن يحكم بنجاسة شعوب الأمم، لأن الإيمان يقدر أن يطهّرها من كل دنس... فإن كان بطرس لم يقدر أن يدرك هذا السرّ وهو أسفل، فكيف تستطيع أنت أن تفهمه (ما لم ترتفع إلى السطح)؟! لقد أدركه بطرس إذ صعد ليبشّر بالرب (إش 40: 9).
القدّيس أمبروسيوس
ومن كان في الحقل الإلهي يعمل لحساب السيِّد المسيح فلا ينظر إلى الوراء، مرتبكًا حتى بضروريَّات الحياة كالأكل والشرب والملبس، إنّما ينسى ما هو وراء ويمتد إلى ما هو قدام، ناظرًا جعالة الله العُليا. النفس التي خلعت ثوب أعمال الإنسان القديم وانطلقت إلى الحقل تعمل لحساب المسيح لا ترتد إلى الوراء لترتديه مرّة أخرى، بل تتمثل بيوسف بن يعقوب، إذ يقول القدّيس جيروم: [ليتك بالأحرى إن أمكنك أن تتمثل بيوسف، فتترك ثوبك في يد سيِّدتَك المصريَّة وتتبع ربَّك ومخلّصك عاريًا.]
v من كان في الحقل فلا يرجع إلى الوراء. ما هو هذا الحقل؟ لقد أعلمني إيّاه يسوع بقوله:"ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله" (لو 9: 12)... لتحرس حقلك إن كنت تريد بلوغ ملكوت الله، فيزهر لك أفعالاً صالحة خصبة، ويكون لك بنوك مثل غروس الزيتون حول مائدتك (مز 127: 3)... ليدخل الرب يسوع في الحقل: "تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقل" (نش 7: 11). فيقول: "دخلتُ إلى جنَّتي يا أختي العروس قطفتُ مُرّي مع طيبي، أكلتُ شهدي مع عسلي" (نش 5: 1). هل يوجد محصول أفضل من محصول الإيمان الذي يثمر أعمالاً صالحة ترتوي بينبوع الفرح الأبدي؟!
إن كان قد منعك من النظر إلى الوراء، فبالأحرى يمنعك من الرجوع لتأخذ ثوبك. فمن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فأترك له الرداء أيضًا (مت 5: 40)، فيليق بك لا أن تترك الخطايا فقط، بل وتمحو كل ذكرى لأعمالك السابقة، فكان بولس ينسى ما هو وراء (في 3: 13)، يخلع عنه الخطيّة ولا يترك التوبة.
القدّيس أمبروسيوس
خلال هذا الجهاد الحيّ الذي فيه نهرب من يهوديّة الحرف إلى حرّية الجبال المقدّسة، نرتفع على السطح لنرى السماوات مكشوفة، فلا ننشغل بغير مجيء المسيح الأخير، نعمل في الحقل ممتدِّين إلى قدَّام بلا تراجع من أجل الدخول في الأبديّة. يُعلن السيِّد الويْل للحبالى والمُرضِعات. من هن هؤلاء الحبالى إلا النفوس التي وإن عرفت السيِّد المسيح لكن ثمر الروح لم يُعلن بعد فيها، والمُرضِعات هن اللواتي يبدو ثمرهن كرضع صغار. مثل هؤلاء اللواتي بلا ثمر عملي أو قليلي الثمر لا يقدرن على مواجهة الأيام الصعبة خاصة أيام ضد المسيح قبل مجيء المسيح.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:52 pm

النفس التي حبلت ولم تلد ثمرة الكلمة تسقط تحت هذا الويل، إذ تفقد ما حبلت به وتصير فارغة من رجائها في أعمال الحق. وأيضًا إن كانت قد ولدت لكن أطفالها لم ينتعشوا بعد.
العلاّمة أوريجينوس
ويرى بعض الآباء أن الحَبَل هنا إنّما هو الالتصاق بالخطيّة ليحمل الإنسان في داخله ثمر المُرّ، أمّا المُرضِعات فهنَّ النفوس التي أثمرت فيهن الخطيّة ثمارًا مُرّة. هؤلاء جميعهنَّ لا يستطعنَ الخلاص من ضد المسيح.
v لا يفهم هذا على أنه تحذير من ثِقل الحَبَل، وإنما يُظهر أثقال النفس المملوءة بالخطايا، التي لا تستطيع أن تهرب من السطح أو الحقل حيث يحلّ غضب الله. أيضًا ويل للمُرضِعات، إذ يَظهرنَ المتخلّفين في معرفة الله كمن يرضعْن لبنًا، ويل لهم لأنهم سيكونون ضعفاء جدًا غير قادرين على الهروب من ضدّ المسيح، غير مستعدين على مجابهته، إذ لم يتوقّفوا عن الخطيّة ولا أكلوا خبز الحياة.
القدّيس هيلاري أسقف بواتييه
v الحَبالى هم الذين يطمعون فيما ليس لهم، والرُضَّع هم الذين نالوا بالفعل ما طمعوا فيه، هؤلاء يسقطون في الويْل في يوم الدينونة.
القدّيس أغسطينوس
يطالبنا السيِّد أن نصلّي ألا يكون هربنا في شتاء ولا في يوم سبت، أي لا تكون حياتنا قد أصابتها برودة الروح القاتلة كما في الشتاء، ولا حلّ بها وقت البطالة كما في السبت. فإن النفس الباردة والبطالة تسقط في خداعات المسيح الكذاب، ولا تقدر على ملاقاة رب المجد يسوع.
v قال هذا لكي لا نوجد في صقيع الخطيّة ولا في لا مبالاة من جهة الأعمال الصالحة، فيفتقدنا العقاب الخطير.
الأب هيلاري
v عندما يصنع ضدّ المسيح أضاليل أمام أعين ذوي الفكر الجِسداني (السالكون في الشتاء) يجتذبهم إليه، لأن من يُسر بالأرضيّات لا يتردّد في الخضوع له.
الأب غريغوريوس (الكبير)
8. الضيقة العُظمى
"لأنه يكون حينئذ ضيق عظيم
لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن ولن يكون.
ولو لم تُقصَّر تلك الأيام لم يخلّص جسد.
ولكن لأجل المختارين تُقصَّر تلك الأيام" [21-22].
إنها الضيقة العُظمى التي تحل بالكنيسة في أيام ضدّ المسيح، الذي يصنع لنفسه سِِمة يَختم بها شعبه على يدهم اليُمنى أو جباههم (رؤ13: 15) ولا يقدر أحد أن يشتري أو يبيع إلا من له السِمة التي هي التجديف على الله. هكذا يُحرم المؤمنون من التعامل اليومي، إذ يرفضون رسم السِمة عليهم، ويضطرُّوا إلى الهروب إلى البراري أمام ضيقات ضد المسيح.
9. ظهور مسحاء كذبة
سرّ الضيقة العُظمى هو ظهور ضدّ المسيح وأتباعه. كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [يتحدّث هنا عن ضدّ المسيح والذين يدعون مسحاء كذبة وأنبياء كذبة، الذين يوجدون بكثرة حتى في أيام الرسل، أمّا قبل مجيء المسيح الثاني فيوجدون بأكثر حرارة.]
"حينئذ إن قال لكم أحد هوذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدّقوا،
لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة،
ويعطون آيات عظيمة وعجائب،
حتى يضلّوا لو أمكن المختارين أيضًا.
ها أنا قد سبقت وأخبرتكم" [23-25].
يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن [السيِّد قد أنهى حديثه عن أورشليم ليعبُر إلى الحديث عن مجيئه والعلامات التي تصحبُه، لا لإرشادهم هم فقط، وإنما لإرشادنا نحن أيضًا ومن يأتي بعدنا.]
يستخدم ضدّ المسيح وأتباعه كل وسيلة للخداع، مقدّمًا آيات وعجائب هي من عمل عدوّ الخير للخداع. لذلك فالحياة الفاضلة في الرب وليس الآيات هي التي تفرز من هم للمسيح ومن هم لضد المسيح. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [يحذّرنا الرب من أنه حتى الأشرار يقدرون أن يصنعوا معجزات معيّنة لا يستطيع حتى القدّيسين أن يصنعوها، فليس بسببها يحسبون أعظم منهم أمام الله.]
حقًا إن فكر ضدّ المسيح له خداعاته، ليس فقط خلال العجائب المضلّلة، وإنما يحمل أحيانًا صورة التقوى والنسك دون قوّتها، فيظهر في البرّيّة ويلتف حوله الكثيرون، كما يتسلّل إلينا خِفية داخل القلب، معلنًا اهتمامه بنا شخصيًا، لذلك يقول السيِّد: "فإن قالوا لكم ها هو في البرّيّة فلا تخرجوا، ها هو في المخادع فلا تصدّقوا [26].
ماذا تعني البرّيّة أيضًا إلا الحياة القفر من الإيمان، والخروج عن إيمان الكنيسة الجامعة، أمّا المخادع فتعني العمل في الظلمة بعيدًا عن نور الحق. وكما يقول الأب هيلاري: [لأن الأنبياء الكذبة الذين يتحدّث عنهم سيقولون أن المسيح في البرّيّة حتى يضلّوا البشر بعيدًا بواسطة الهرطقة، وفي المجامع السرّيّة (المخادع) لكي يأسرهم بقوِّة من هو ضدّ المسيح، أمّا المسيح فلا يكون مخفيًّا في موضع معيّن، ولا خاصًا بمجموعة قليلة، وإنما سيكون حاضرًا في كل موضع ومنظورًا أمام الجميع.] هذا يشبه السيِّد مجيئه بالبرق العلني: "لأنه كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب، هكذا يكون أيضًا مجيء ابن الإنسان، لأنه حيثما تكون الجثّة فهناك تجتمع النسور" [27-28].
مجيء ابن الإنسان الأخير لا تتبعه آيات ومعجزات ولا يظهر في البراري ولا خِفية، وإنما يأتي في الأعالي على السحاب فجأة، كالبرق يُشرق على المسكونة كلها، ليحملنا من كل أركان العالم، ويرفعنا إلى سماواته. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [كما أعلن أولاً عن طريقة مجيء ضدّ المسيح، هكذا بهذه الكلمات يصف طريقة مجيئه هو، وكما أن البرق لا يحتاج إلى من يُعلن عنه ويخبر به بل يُنظر في لحظة في العالم، فإنه حتى بالنسبة للذين يجلسون في بيوتهم سيأتي ابن الإنسان ويُنظر في كل موضع دفعة واحدة بسبب بهاء مجده.]
يرى القدّيس جيروم في "المشارق والمغارب" إشارة إلى الكنيسة الجامعة التي يشرق الرب فيها دائمًا ببهائه كالبرق، إذ يقول: [إن وعدك أحد بأن المسيح يوجد في برّيّة الوثنيّين أو خيام الفلاسفة أو في مجالس الهرطقة السرّيّة (المخادع) وإنه هناك يقدّم معرفة أسرار الله فلا تصدّق، وإنما آمن بإيمان الكنيسة الجامعة الذي يضيء في الكنائس من الشرّق إلى الغرب.]
ويرى العلاّمة أوريجينوس أن المشارق والمغارب إنّما تُشير إلى النبوّات التي حملت إلينا نور الحق وقدّمت لنا حياة المسيح من مشرق ميلاده حتى مغارب آلامه وقيامته. فإن أردنا أن نلتقي بالمسيح الحقيقي يمكننا أن نبحث عنه في النبوّات الخاصة به.
ماذا يعني بقوله: "لأنه حيثما تكون الجُثّة فهناك تجتمع النسور؟" إن كان السيِّد المسيح قد قدّم جسده ذبيحة حب على الصليب فإن المؤمنين كنسور قويّة هائمة في السماويات لا تستقر إلا حول الصليب، تجتمع معًا لتَشبع بذبيحة الرب واهبة الحياة. وعلى العكس حيثما توجد جثّة ضدّ المسيح كجُثّة هامدة يجتمع حولها الأشرار كالنسور تطلب ما يناسب طبيعتها. فالقدّوس يجتمع به القدّيسون والشرّير يجتمع به الأشرار.
v لنتعلّم عن المسيح خلال مثالٍ من الطبيعة نراه كل يوم، يُقال عن النسور والصقور أنها إذ ترى الجثّة وراء البحار تجتمع معًا إليها لتتغذى عليها. فإن كانت الطيور تدرك بالغريزة الطبيعيّة على مسافات كهذه أين توجد الجُثّة الصغيرة، فكم بالأكثر يُسرع جموع المؤمنين إلى ذاك الذي يكون مجيئه كالبرق، فيظهر من المشارق إلى المغارب! إنه يقصد بالجُثّة تلميحًا لآلام المسيح وموته.
v "لقد دُعوا نُسورًا إذ يتجدّد مثل النسر شبابهم" (مز 103: 5) ويحملون أجنحة ليأتوا إلى آلام المسيح.
القدّيس جيروم
v يتحدّث عن النسور المقدّسة بسبب الطيران الروحي لأجسادهم مُظهرًا أن الملائكة تجمعهم معًا إلى موضع آلامه. وبطريقة لائقة ننظر مجيئه في مجد، فإنه بالنسبة لنا قد اقتنى السيِّد المجد الأبدي بتواضع آلامه الجسديّة.
الأب هيلاري
10. انهيار الطبيعة
"وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس،
والقمر لا يعطي ضوءه،
والنجوم تسقط من السماء،
وقوات السماوات تتزعزع" [29].
هذه الأمور ستتحقّق بلا شك حرفيًا قبل مجيء السيِّد المسيح الأخير. هذا ليس بالأمر العجيب، فإنّنا نعلم اليوم عن تساقط بعض النجوم وعن حدوث بعض انفجارات شمسيّة، هذا يتزايد جدًا في فترة ما قبل ضد المسيح وأثناءها للإنذار.
حقًا إنه لابد لكي يأتي ملكوت المسيح الأبدي في كمال مجده أن ينهار هذا العالم الحاضر، كقوله: "السماء والأرض تزولان" [35]، فيملك الرب علينا وفينا إلى الأبد، كما في أرض جديدة وسماء جديدة (رؤ21: 1)، لا تحتاج إلى شمس إذ يكون السيِّد نفسه شمسها، أمامه تفقد كل شمس بهاءها، ولا تحتاج إلى قمر حيث يُعلن بهاء الكنيسة كالقمر، ويُحسب المؤمنون ككواكب منيرة.
v الآن نهاية كل الحياة الزائلة، وكما يقول الرسول، تزول هيئة هذا العالم الخارجي ليتبعه عالم جديد؛ وعِوض الكواكب المنظورة يضيء المسيح نفسه بكونه الشمس الخليقة الجديدة وملكها. عظيمة هي قوّة هذه الشمس الجديدة، وعظيم هو بهاؤها، حتى أن الشمس التي تضيء الآن والقمر والكواكب الأخرى تظلم أمام هذا النور العظيم.
يوسابيوس القيصري
v كما أن القمر والنجوم يتضاءلون بسرعة أمام الشمس المشرقة، هكذا أمام ظهور المسيح تظلم الشمس ولا يعطي القمر ضوءه وتتساقط النجوم من السماء، فيُنزع عنها بهاؤها السابق لكي تلبس ثوب النور العظيم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:52 pm

القدّيس يوحنا الذهبي الفم
v تتم هذه الأمور لا بانطفاء النور الحالي، إذ نقرأ أن "نور الشمس يكون سبعة أضعاف" (إش 30: 26)، لكن بمقارنته بالنور الحقيقي تبدو كل الأشياء مظلمة.
القدّيس جيروم
هذا ويمكننا أن نفهم هذه النبوّة كعلامات تخص الكنيسة نفسها وكل عضو فيها. فإذ سأل الأسقف هسخيوس Hesychius القديس أغسطينوس عن مجيء المسيح الأخير والعلامات السابقة له، كتب إليه يطلب منه أن ينظر إلى هذه العلامات بطريقة رمزيّة.
ربّما يقصد بالشمس هنا نور معرفة المسيح الذي لا يكون له موضع في مملكة ضد المسيح المسيطرة على أغلب العالم، وكأن الشمس قد اِظلمت. والقمر التي هي الكنيسة إذ قيل عنها "جميلة كالقمر طاهرة كالشمس" (نش 6: 10) صارت مطرودة أمام مضطهديها، لا يمكن رؤيتها. وكأنها قمر لا يعطي ضوءه؛ ويسقط بعض الجبابرة كالنجوم الساقطة من السماء لتعمل لحساب ضد المسيح، ويتزعزع الكثيرون عن إيمانهم. إنها صورة مرعبة لهذه الفترة العصيبة التي يواجهها العالم كلّه قبل مجيء ابن الإنسان.
وما أقوله عن الكنيسة يمكن أيضًا تطبيقه على المؤمن كعضو فيها، فإنه إذ يقبل أفكار ضد المسيح أي ضدّ المسيح أو عدم الإيمان يفقد بصيرته الداخليّة. وكأن شمسه الداخليّة قد اظلمت، فلا يحمل نور المعرفة، وقمره لا يعطي ضوءه إذ فقد قلبه ملكوت النور وتحوّل إلى مملكة للظلمة. وتهوى كل مواهبه ودوافعه كالكواكب متساقطة من الحياة السماويّة المقدّسة إلى هاوية الفساد، ويتزعزع قلبه كقوات سماويّة تفقد طبيعتها العلويّة وتنحط إلى أفكار الجحود المهلكة!
v إذ يرتدّ كثيرون عن المسيحيّة يظلم بهاء الإيمان بسحابة الارتداد، فإن الشمس السمائيّة تُظلم أو تُشرق ببهاء حسب الإيمان.
وكما أن القمر يحدث له خسوف شهري لأن الأرض تأتي بين القمر والشمس، فيختفي عن النظر، هكذا في الكنيسة المقدّسة إذ تقف الرذائل الجسديّة في طريق النور السماوي تحجب بهاء النور الإلهي الصادر عن شمس المسيح. وفي أوقات الاضطهادات تقف محبّة الحياة الحاضرة في طريق الشمس الإلهيّة.
أما النجوم، أي البشر، فيحيط بهم مديح إخوتهم المسيحيّين، ليسقطوا أثناء تصاعد مرارة الاضطهاد الذي لابد أن ينتهي ويكمّل عدد المؤمنين فيتزكَّى الصالحون ويظهر الضعفاء.
القدّيس أمبروسيوس
v تتزعزع قوات السماء بسبب اضطهادات الأشرار حيث يمتلئ بالخوف حتى بعض الثابتين في الإيمان جدًا.
القدّيس أغسطينوس
11. ظهور علامة ابن الإنسان
"وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء،
وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض،
ويبصرون ابن الإنسان آتيًا على سحاب السماء بقوَّةٍ ومجدٍ كثيرٍ،
فيُرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت،
فيجمعون مُختاريه من الأربع رياح من أقصاء السماوات إلى أقصائها" [30-31].
بعدما تتشدَّد مملكة ضد المسيح لتُقاوم مملكة المسيح أي كنيسته، فتَظلمْ الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط وقوات السماوات تتزعزع، يأتي السيِّد نفسه في موكِبه الملائكي تتقدّمه علامة الصليب مُعلَنة في السماء، الأمر الذي يُفرِّح الكنيسة الحاملة للطبيعة السماويّة من أجل قدوم عريسها بينما يحزن جميع قبائل الأرض التي احتضنت ضد المسيح وصارت لا تطيق الحق.
v لنرى علامة الصليب، هذه التي يراها الذين طعنوه حسب نبوّة زكريّا ويوحنا (يو 19: 37) وهي علامة النصرة.
العلاّمة أوريجينوس
v إن كانت الشمس تَظلَم فإنه لا يمكن للصليب أن يظهر ما لم يكن أكثر بهاءً من الشمس! فلا يخجل التلاميذ من الصليب ولا يحزنون. إنه يتحدّث عنه كعلامة تظهر في مجد! فستظهر علامة الصليب لتُبكِم جسارة اليهود! سيأتي المسيح ليُدين مشيرًا إلى جراحاته كما إلى طريقة موته المملوء عارًا، عندئذ تنوح كل قبائل الأرض. فإنهم إذ يرون الصليب يفكِّرون كيف أنهم لم يستفيدوا شيئًا من موته، وأنهم صلبوا من كان يجب أن يعبدوه.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
v حقًا يقول: "تنوح جميع قبائل الأرض" لأنهم ليسوا بمواطني السماء بل مكتوبين في الأرض.
القدّيس جيروم
v يراه المؤمنون كما غير المؤمنين، فإن الصليب والمخلّص يضيئان ببهاء شديد أكثر من الشمس، فيراهما الكل (المؤمنون يفرحون بالمخلّص المصلوب وغير المؤمنين يرتعبون منه).
الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك سلفانيا
هكذا من الجانب النبوي تظهر علامة ابن الإنسان قبل مجيء السيِّد. أمّا في حياتنا الروحيّة فيبذل عدوّ الخير - ضد المسيح - كل الجهد لكي يملك على قلوبنا، مشتاقًا أن يطفئ شمس الحق فينا، ويفقدنا عضويتنا الحقّة في الكنيسة. فتصير الكنيسة بالنسبة لنا كقمرٍ لا يعطي ضوءه، ويعمل العدو بكل حيلة وخداعاته أن يسقط فينا كواكب المواهب والنعم الداخليّة، لكي يزعزع قوّات السماوات في قلوبنا. أما السيِّد المسيح فيُسرع إلينا كما هو قادم من السماء، يدخل إلينا بمجده، مقدّمًا لنا صليبه علامة غلبته ونصرته فينا ولحسابنا، وعلامة حلوله داخلنا. فتنهار كل خداعات العدوّ الكثيرة وكل شهوة جسديّة وفكر أرضي في داخلنا، وكأنها قد صارت قبائل الأرض الشرّيرة التي تنوح حين يظهر السيِّد فينا بقوَّة الروح ومجده السماوي العظيم. ويرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت، فنشاركهم تسابيحهم وليتورجيَّاتهم، ويجمعون كل طاقات جسدنا كما من الأربعة رياح من أقصاء السماوات إلى أقصائها، لتعمل بانسجام وتوافق مع طاقات النفس لخدمة الملك السماوي.
مجيئه على السحاب
v سيرى البشر ابن الله بأعينهم الجسديّة قادمًا في شكل جسدي "في سحاب السماء"، أي قادمًا من السماء. وكما عند تجلِّيه جاء صوت من السحابة، هكذا يأتي مرّة أخرى متجلِّيًا في مجده، جالسًا لا على سحابة بل على سحابٍ كثيرٍ كأنه مركبة له!
إن كان عند صعوده إلى أورشليم كان الذين يحبّونه يبسِطون ثيابهم في الطريق حتى لا يطأ ابن الإنسان بقدميه على الأرض، راغبين ألا يلمس حتى الجحش الذي يركبه الأرض (مت 21: 8)، فأي عجب إن كان الآب إله الكل يفرش سحب السماء تحت جسد ابنه لأجل انقضاء الدهر؟
العلاّمة أوريجينوس
v يمكن أن يُفهم (مجيئه على السحاب) بطريقتين: إمّا أنه يأتي في كنيسته كما في السحاب، فإنه حتى الآن لا يمتنع عن أن يأتي، لكنّه يأتي فيما بعد بسلطان أعظم وعظمة، مظهرًا سلطانه وعظمته بالأكثر لقدّيسيه الذين يهبهم القوّة فلا تغلبهم تجربة عظيمة كهذه. أو أنه يأتي في جسده الذي جلس به عن يمين الآب. هكذا يليق بنا بحق أن نؤمن أنه سيأتي، ليس فقط في جسده ولكن أيضًا في السحاب، فقد تركنا (بالجسد) لكي يأتي إلينا مرّة أخرى. فقد "ارتفع وأخذته سحابة عن أعينهم" (أع 1: 9)، عندئذ قال الملاك: "سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء" (أع 1: 11).
القدّيس أغسطينوس
v تفهم الأحداث الكبرى في علاقتها ببعضها البعض، فكما جاء في مجيئه الأول في تواضع هكذا يأتي في مجيئه الثاني في مجده اللائق.
القدّيس كيرلّس السكندري
12. مثَل شجرة التين
"فمن شجرة التين تعلّموا المثَل،
متى صار غصنها رخصًا،
وأخرجت أوراقها تعلمون أن الصيف قريب،
هكذا أنتم أيضًا متى رأيتم هذا كلّه فاعلموا أنه قريب على الأبواب.
الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كلّه" [32-34].
بعد أن قدّم لنا السيِّد المسيح العلامات السابقة لمجيئه في نهاية الأزمنة كما في مجيئه ليملك علينا روحيًا ونحن على الأرض أي في حياتنا الروحيّة أراد أن يوجِّه أفكارنا إلى الجانب الروحي لا الاهتمام بالأوقات والأزمنة. كأنه يقول إن كنتم تعرفون أن تميّزوا الأزمنة فتُدركون أن الصيف قد اقترب خلال شجرة التين متى صار غصنها رخصًا وأخرجت أوراقها، فبالأولى والأهم أن تتطلّعوا إلى هذه العلامات التي قدّمتها لكم، وكأنها شجرة تين من خلالها تعرفون أن وقت مجيئه قد اقترب وكأنه صيف.
بقوله هذا، كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [يؤكّد لنا أن مجيئه أمر محقَّق حتمًا، ينبغي ألا يشك فيه كما لا نشك في مجيء الصيف. هكذا يليق بالمؤمن كلما ظهرت هذه العلامات من أتعاب وآلام، يُدرك بالأكثر رعاية الله له وسُكنى المسيح بالإيمان في قلبه... إنه يؤكّد لنا مجيئه المستمر فينا بتجلِّيه في داخلنا من يوم إلى يوم ليُعلن ذاته فينا.]
وفي هذا المثل أيضًا يؤكّد لنا السيِّد أن أمجاده مخفيّة في داخلنا كما في شجرة التين في فترة الشتاء، لكنّه إذ يحلّ فصل الصيف يُعلن المجد الخفي ونتكلّل علانيّة في يوم الرب العظيم. إننا الآن كمن هم في فصل الشتاء نظهر بلا مجد ولا جمال كأشجار جافة بلا أوراق ولا زهور أو ثمار، لكن الشتاء ينتهي وتظهر الحياة الكامنة في داخلنا.
شبَّه السيِّد مجيئه بالصيف لأنه يقدّم لنا جوًا حارًا للحب، حيث يلتهب قلبنا بأكثر حب عند رؤيتنا لعريس نفوسنا قادمًا فينا وإلينا. والصيف هو زمن الحصاد (إر 8: 20)، فيأتي الرب ليحمل فينا ثمره الروحي فيفرح بنا. لهذا تسأل النفس عريسها "ليأت حبيبي إلى جنّته ويأكل ثمره النفيس" (نش 4: 16)، ويجيب الرب العريس: "قد دخلتُ جنتي يا أختي العروس، قطفتُ مُرِّي مع طيبي، أكلتُ شهدي مع عسلي، شربتُ خمري مع لبني. كلوا أيها الأصحاب اشربوا واسكروا أيها الأحبّاء" (نش 5: 1). إنه الوقت الذي يقطف فيه السيِّد بنفسه الثمر النفيس بكونه ثمرة هو فيها... يفرح ويتهلّل ويقيم وليمة، فيفرح معه السمائيون من أجل عروسه المثمرة!
ويرى بعض الآباء في شجرة التين رمزًا لليهود في عودتهم لتكوين مملكة كعلامة لنهاية الأزمنة، أو لقبولهم الإيمان بالمسيح يسوع الذي رفضوه قبل انقضاء الدهر، كما يرى البعض في شجرة التين رمزًا لظهور مملكة ضد المسيح.
v شجرة التين هي رمز لمجمع اليهود، أمّا الغصن فهو ضدّ المسيح، ابن الشيطان، نصيب الخطيّة... هذا الذي بظهوره كما لو أن الحياة تنقشع والأوراق تُرى فتنتصر زهور الخطيّة بنوع ما، بهذا يكون قد اقترب الصيف أي يوم الدينونة.
الأب هيلاري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
يوستين21
عضو ملكى
عضو ملكى
يوستين21


عدد الرسائل : 1043
العمل/الترفيه : مراقب مالى
المزاج : هادى
تاريخ التسجيل : 08/03/2008

تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Empty
مُساهمةموضوع: رد: تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى   تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى - صفحة 4 Emptyالأربعاء يوليو 02, 2008 4:53 pm

لشجرة التين معنيان... إمّا يقصد بها عندما تظهر الثمرة على كل الشجرة فيعترف كل لسان بالرب، ويؤمن أيضًا شعب إسرائيل، عندئذ نترجَّى مجيء الرب، وكأن وقت الصيف قد حلّ لجمع ثمار القيامة؛ وإما يقصد بها أنها عندما يلبس ابن الخطيّة إكليل زهور، بافتخاره الباطل والفارغ، فتظهر أوراق الغصن الخاصة بالمجمع اليهودي، عندئذ يجب أن تترقَّب مجيء الدينونة، إذ يُسرع الرب بالمجيء ليكافئ المؤمنين ويضع نهاية للشر.
القدّيس أمبروسيوس
أما قول السيِّد: "الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كلّه" [34]. فيشير إلى أمرين:
أولاً: يُشير إلى تحقيق العلامات الخاصة بدمار الهيكل اليهودي على يدي القائد الروماني تيطس عام 70م، لإعلان مجيء الرب في هيكل جديد.
ثانيًا: يريد ربّنا أن يوجِّه أنظارنا إلى مجيئه الداخلي فينا وإعلان مجده في القلب... فإنه وإن كنّا نترقَّب يوم الرب العظيم لكن عملنا الآن هو التمتّع بحلوله داخلنا وتجلِّيه المستمر فينا.
13. تأكيد مجيئه
"السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول،
وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يُعلّم بهما أحد
ولا ملائكة السموات إلا أبي وحده" [35-36].
ما أعلنه السيِّد إنّما هو كلمته الخالدة التي لا تزول، فإن السماء والأرض تزولان، أمّا كلامه فلن يزول. ما هي السماء إلا نفوسنا التي ترحل من هذا العالم، والأرض هي جسدنا الذي يعود إلى التراب إلى أن يأتي "كلمة الله" الذي لا يزول، فتعود السماء جديدة فيه وأيضًا أرضنا.
إن السيِّد قادم لا محالة، أمّا تحديد الأزمنة فليس من عملنا، ولا هو من رسالتنا، بل هو عمل الله المدبّر للأزمنة.
v السماء والأرض بحقيقة خلقتهما لا يحويان داخلهما التزام بالخلود الدائم، أمّا كلمات المسيح الأزليّة فتحل داخلها البقاء الدائم.
الأب هيلاري
v كأنه يقول أن كل ما يبدو باقيًا لا يبقى إلى الأبد، وما يبدو لكم زائلاً يبقى ثابتًا بلا تغيير! إن كلماتي تعبِّر عن الأمور التي بلا تغيير.
الأب غريغوريوس (الكبير)
14. الاستعداد لمجيئه
"وكما كانت أيام نوح كذلك أيضًا مجيء ابن الإنسان،
لأنه كما كانوا في الأيام التي قبل الطوفان
يأكلون ويشربون ويتزوَّجون ويزوِّجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح الفلك،
ولم يعلموا حتى جاء الطوفان وأخذ الجميع،
كذلك يكون أيضًا مجيء ابن الإنسان" [37-39].
يقدّم لنا السيِّد المسيح الطوفان الذي أنقذ نوح وعائلته، وأهلك البشريّة الشرّيرة مثالاً لمجيئه، حيث ينعم أولاد الله بالإكليل الأبدي، ويدخلوا إلى المجد، كما إلى الفلك، بينما يهلك الأشرار كما في الطوفان. لقد كان الأشرار غير مستعدّين، انسحبت قلوبهم إلى الاهتمام بالأكل والشراب والزواج ولم ترتفع قط إلى الله.
حقًا إن الأكل والشراب والزواج هذه جميعها في ذاتها ليست بشرّيرة، وإنما تتحوّل إلى إله لمن يُستعبد لها، فيصير قلبه كلّه مرتبكًا بسببها، هذه بعينها تُحسب مباركة ومقدّسة بالنسبة للقلب المقدّس في الله. عن الأوّلين يقول الرسول: "الذين نهايتهم الهلاك، الذين إلههم بطنهم ومجدهم في خزيهم، الذين يفتكرون في الأرضيّات" (في 3: 19)، "لأن مثل هؤلاء لا يخدمون ربّنا يسوع المسيح بل بطونهم" (رو 16: 18)، "الكرّيتيّون دائمًا كذّابون، وحوش رديّة، بطون بطالة" (تي 1: 12). إنهم يستعبدون لبطونهم فيعملون لحسابها وليس لخدمة المسيح، يعيشون كمن في بطالة، يفسدون حياتهم بلا ثمر! أمّا الآخرون فيقولون: "ولكن الطعام لا يقدّمنا إلى الله، لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص" (1 كو 8: 8). "الذي يأكل فللرب يأكل لأنه يشكر الله، والذي لا يأكل فللرب لا يأكل ويشكر الله، لأنه ليس أحد منّا يعيش لذاته ولا أحد يموت لذاته" (رو 14: 6-7). "لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشربًا، بل هو برّ وسلام وفرح في الروح القدس" (رو 14: 17).
ولكي يؤكّد السيِّد أن الاستعداد إنّما هو عمل داخلي، قال: "حينئذ يكون اثنان في الحقل، يؤخذ الواحد ويُترك الآخر. اثنتان تطحنان على الرحَى، تؤخذ الواحدة وتترك الأخرى" [40-41]. لا يمكن للإنسان أن يُدرك أسرار قلب أخيه، فبينما يعمل رجلان معًا في حقلٍ واحدٍ، وتعمل امرأتان معًا على رحى واحدة، إذا بالواحد يحمل قلبًا مرتفعًا نحو السماويات والآخر يرتبك بالأرضيّات. واحد يعمل ويشكر الله ويمجِّده، والآخر يعمل لخدمة بطنه وإشباع شهواته مرتبكًا بالأمور الزمنيّة.
ويُعلّق القدّيس كيرلّس الكبير على المرأتين اللتين تطحنان على الرحى فتُؤخذ الواحدة وتترك الأخرى قائلاً: [يبدو أن هاتين المرأتين تشيران إلى الذين يعيشون في فقر وتعب، فحتى هؤلاء يوجد بينهم اختلاف كبير. البعض منهم يحتملون الفقر بنضوج وقوة في حياة فاضلة، والآخر له شخصيّة مختلفة إذ يسلكون بدهاء في حياة شرّيرة دنيئة.]
إذًا لنسهر لا بالمفهوم الجسدي الظاهر وإنما بالقلب والحياة الداخليّة خلال انتظار مجيئه. فالقلب الساهر يكون كالعروس المشتاقة إلى عريسها، يأتيها السيِّد، فتفرح وتتهلّل، أمّا القلب المتهاون والنائم يأتيها يوم الرب كلصٍ يسطو على البيت. القلب اليقظ يفرح ويُسر كلما اقتربت الساعة، أمّا القلب الخامل فيُفاجأ به ليحزن ويخسر كل ما كان يظن أنه يملكه!
هكذا يدعونا الرب للسهر لملاقاته دون تحديد موعد مجيئه وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [ليس من صالحنا أن نعرف الأزمنة، بل بالأحرى من صالحنا عدم معرفتها، فجهلنا لها يجعلنا نخاف ونسهر فينصلح حالنا.]
15. مثل العبد والسيِّد القادم
إننا كعبيد أقامنا السيِّد على خدامه لنعطيهم الطعام في حينه، من كان أمينًا يعرف كيف ينمِّي بالروح القدس كل طاقاته ومواهبه وأحاسيسه ودوافعه في الروح فيمتلئ ثمرًا، فيأتي سيّده ويقيمه "على جميع أمواله" [47]،فيجعله ملكًا ينعم بميراثٍ أبديٍ وإكليل لا يفنى. أمّا الذي يضرب العبيد رفقاءه فيحطَّم ما وهبه الله من طاقات ومواهب وأحاسيس ودوافع، فلا تنمو في الروح بل تتعثّر وتضمر، فيُقطع ويصير نصيبه مع المرائين.
قد يتساءل البعض هل نحب الجسد أيضًا كأحد الخدم الذين أوكلنا السيِّد على رعايتهم؟ يجيب الرسول بولس: "فإنه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربّيه كما الرب أيضًا للكنيسة، لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه" (أف 5: 29-30). هكذا يرفع الرسول الجسد إلى هذه القُدسية، فنراه كما يرى الرب كنيسته، نهتم بقدسيَّته ولا نحطِّمه، إنّما نرفض الشهوات الجسديّة التي تنزل بنا إلى الارتبكات الزمنيّة والملذّات القاتلة. يقول القدّيس جيروم: [إني أحب الجسد، لكنّني أحبُّه عندما يكون طاهرًا، عندما يكون عذراويًا، عندما يُمات بالصوم. لست أحب أعماله إنّما أحبُّه هو، هذا الذي يلزم أن يحكم عليه ويموت كشهيدٍ من أجل المسيح فيُجلد ويُمزَّق ويُحرق بالنار.]
يحدّثنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم عن الجسد كخادم نهتم به في الرب، يعمل مع النفس لحسابه، قائلاً: [حقًا لقد أقام الله فينا الأعين والفم والسمع بهذا القصد، أن تخدمه جميع أعضائنا، فننطق بكلماته ونفعل أعماله، ونتغنَّى له بالتسابيح الدائمة، ونقدّم له ذبائح الشكر، بهذا تتنقَّى ضمائرنا تمامًا! وكما أن الجسد يصير في أكثر صحّة عندما يتمتّع بالهواء النقي، هكذا النفس بالأكثر تنعم بالحكمة العمليّة عندما تنتعش بمثل هذه التداريب. أليس إن وُجدَت عينا الجسد في دخان تبكيان على الدوام، وإن وُجِدَتا في هواء نقي ومُروج وينابيع وحدائق تصيران بحدَّة وفي أكثر سلام؟ هكذا أيضًا بالنسبة لعين النفس، فإنها إذ تتقوَّت على مروج الأقوال الروحيّة تصير نقيّة وحادة البصر، لكنها إن رحلت إلى دُخَّان أمور هذه الحياة فإنها تبكي بلا حدود، وتبقى في عويل ههنا وفيما بعد. لهذا قال أحدهم: "فنَتْ أيامي كالدخان" (مز102: 3 LXX).]
1 ثم خرج يسوع و مضى من الهيكل فتقدم تلاميذه لكي يروه ابنية الهيكل
2 فقال لهم يسوع اما تنظرون جميع هذه الحق اقول لكم انه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض
3 و فيما هو جالس على جبل الزيتون تقدم اليه التلاميذ على انفراد قائلين قل لنا متى يكون هذا و ما هي علامة مجيئك و انقضاء الدهر
4 فاجاب يسوع و قال لهم انظروا لا يضلكم احد
5 فان كثيرين سياتون باسمي قائلين انا هو المسيح و يضلون كثيرين
6 و سوف تسمعون بحروب و اخبار حروب انظروا لا ترتاعوا لانه لا بد ان تكون هذه كلها و لكن ليس المنتهى بعد
7 لانه تقوم امة على امة و مملكة على مملكة و تكون مجاعات و اوبئة و زلازل في اماكن
8 و لكن هذه كلها مبتدا الاوجاع
9 حينئذ يسلمونكم الى ضيق و يقتلونكم و تكونون مبغضين من جميع الامم لاجل اسمي
10 و حينئذ يعثر كثيرون و يسلمون بعضهم بعضا و يبغضون بعضهم بعضا
11 و يقوم انبياء كذبة كثيرون و يضلون كثيرين
12 و لكثرة الاثم تبرد محبة الكثيرين
13 و لكن الذي يصبر الى المنتهى فهذا يخلص
14 و يكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الامم ثم ياتي المنتهى
15 فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس ليفهم القارئ
16 فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية الى الجبال
17 و الذي على السطح فلا ينزل لياخذ من بيته شيئا
18 و الذي في الحقل فلا يرجع الى ورائه لياخذ ثيابه
19 و ويل للحبالى و المرضعات في تلك الايام
20 و صلوا لكي لا يكون هربكم في شتاء و لا في سبت
21 لانه يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم الى الان و لن يكون
22 و لو لم تقصر تلك الايام لم يخلص جسد و لكن لاجل المختارين تقصر تلك الايام
23 حينئذ ان قال لكم احد هوذا المسيح هنا او هناك فلا تصدقوا
24 لانه سيقوم مسحاء كذبة و انبياء كذبة و يعطون ايات عظيمة و عجائب حتى يضلوا لو امكن المختارين ايضا
25 ها انا قد سبقت و اخبرتكم
26 فان قالوا لكم ها هو في البرية فلا تخرجوا ها هو في المخادع فلا تصدقوا
27 لانه كما ان البرق يخرج من المشارق و يظهر الى المغارب هكذا يكون ايضا مجيء ابن الانسان
28 لانه حيثما تكن الجثة فهناك تجتمع النسور
29 و للوقت بعد ضيق تلك الايام تظلم الشمس و القمر لا يعطي ضوءه و النجوم تسقط من السماء و قوات السماوات تتزعزع
30 و حينئذ تظهر علامة ابن الانسان في السماء و حينئذ تنوح جميع قبائل الارض و يبصرون ابن الانسان اتيا على سحاب السماء بقوة و مجد كثير
31 فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الاربع الرياح من اقصاء السماوات الى اقصائها
32 فمن شجرة التين تعلموا المثل متى صار غصنها رخصا و اخرجت اوراقها تعلمون ان الصيف قريب
33 هكذا انتم ايضا متى رايتم هذا كله فاعلموا انه قريب على الابواب
34 الحق اقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله
35 السماء و الارض تزولان و لكن كلامي لا يزول
36 و اما ذلك اليوم و تلك الساعة فلا يعلم بهما احد و لا ملائكة السماوات الا ابي وحده
37 و كما كانت ايام نوح كذلك يكون ايضا مجيء ابن الانسان
38 لانه كما كانوا في الايام التي قبل الطوفان ياكلون و يشربون و يتزوجون و يزوجون الى اليوم الذي دخل فيه نوح الفلك
39 و لم يعلموا حتى جاء الطوفان و اخذ الجميع كذلك يكون ايضا مجيء ابن الانسان
40 حينئذ يكون اثنان في الحقل يؤخذ الواحد و يترك الاخر
41 اثنتان تطحنان على الرحى تؤخذ الواحدة و تترك الاخرى
42 اسهروا اذا لانكم لا تعلمون في اية ساعة ياتي ربكم
43 و اعلموا هذا انه لو عرف رب البيت في اي هزيع ياتي السارق لسهر و لم يدع بيته ينقب
44 لذلك كونوا انتم ايضا مستعدين لانه في ساعة لا تظنون ياتي ابن الانسان
45 فمن هو العبد الامين الحكيم الذي اقامه سيده على خدمه ليعطيهم الطعام في حينه
46 طوبى لذلك العبد الذي اذا جاء سيده يجده يفعل هكذا
47 الحق اقول لكم انه يقيمه على جميع امواله
48 و لكن ان قال ذلك العبد الردي في قلبه سيدي يبطئ قدومه
49 فيبتدئ يضرب العبيد رفقاءه و ياكل و يشرب مع السكارى
50 ياتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره و في ساعة لا يعرفها
51 فيقطعه و يجعل نصيبه مع المرائين هناك يكون البكاء و صرير الاسنان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تفسير الإنجيل بحسب القديس متّى
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 4 من اصل 5انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5  الصفحة التالية
 مواضيع مماثلة
-

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشهيد العظيم مارجرجس :: المنتديات الكتابية :: الكتاب المقدس-
انتقل الى: